تتخبط مؤسسة الرئاسة المصرية وسط حالة من الارتباك السياسي غير المسبوق عقب إعلان قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عدم تعديل الدستور، ومغادرته السلطة رسميا بحلول عام 2030 بعد تعديلات متضاربة في البيانات الرسمية خلال ساعات قليلة.

 

وتطرح هذه التطورات المتسارعة تساؤلات حاسمة حول القوى الفعلية التي أجبرت رأس النظام على تحديد موعد ترك الحكم، والمسارعة إلى وضع خارطة طريق استباقية لمن يحكم بعده هربا من تفجر الصراعات المكتومة داخل أجهزة الدولة.

 

 

صراع الأجنحة يفرض موعد الرحيل

 

وفي هذا السياق، يعكس التضارب الصارخ بين حذف عام 2030 من بيان المتحدث الرئاسي يوم الخميس واستبداله بعبارة البقاء حتى آخر يوم، ثم تراجع قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يوم السبت لتأكيد رحيله، حجم الضغوط الهائلة التي تحاصره.

 

وعلاوة على ذلك، يتقاطع هذا الارتباك مع التصريحات التي أطلقها رأس السلطة في 29 سبتمبر الماضي، حين ألمح بوضوح إلى وجود محاولات مستمرة لتأليب مؤسسات الدولة على بعضها البعض، والعمل على شق الصف الداخلي.

 

ومن جانبه، يؤكد الباحث مصطفى خضري، الخبير في التحليل المعلوماتي وقياس الرأي العام ورئيس مركز "تكامل مصر"، أن إعلان الرحيل في 2030 لم يصدر من موقع القوة، بل جاء كمحاولة يائسة لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، يوضح خضري أن الصراع الداخلي تجاوز مرحلة التنافس العادي ليهدد بقاء رأس النظام ذاته، بعد أن استشرت حرب النفوذ والمال بين الأجهزة الأمنية، وهو ما ظهر جليا خلال الانتخابات البرلمانية لعامي 2025 و2026.

 

ونتيجة لذلك، دعم كل جهاز سيادي حزبا مختلفا مثل مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية، مما جعل استمرار هذا الصراع مستحيلا دون حسم ملف الخلافة، حيث كان التمديد يعني تجميد شبكات المصالح وإشعال المواجهة الشاملة.

 

وفضلا عن ذلك، حاول قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عبر إعلان عدم التعديل نزع سلاح الأجنحة المتصارعة التي اتخذت من التمديد ذريعة للمواجهة، مسجلا اعترافا ضمنيا بعجزه الكامل عن فرض البقاء رغم الدعوات العلنية التي روجت لذلك.

 

وبناء على هذه المعطيات، يضع رأس النظام نفسه في دائرة مغلقة عبر اشتراط معايير جديدة للترشح تشمل سن 40 إلى 50 عاما والحصول على الدكتوراه، وهي شروط تصطدم بنص المادة 141 من الدستور وتستوجب تعديلا دستوريا ينقض تعهده.

 

ومن هذا المنطلق، يمثل هذا الغموض المتعمد تكتيكا مرحليا للمناورة وتهدئة الأجنحة الغاضبة بتعهد دستوري مؤقت، مع الاحتفاظ بورقة التعديل المستقبلي لتمرير شروطه لاحقا، مما يثبت أن النظام يعيش فعليا مرحلة إدارة الانهيار.

 

 

الأكاديمية العسكرية وهندسة الخلافة المسبقة

 

ومن ناحية أخرى، تتزامن وعود مغادرة السلطة في عام 2030 مع طرح مشروع لتفصيل الحاكم القادم داخل الأكاديمية العسكرية، عبر إخضاع ما بين 200 إلى 1000 شخص من حملة الدكتوراه لتدريب يمتد 30 شهرا بإشراف البرلمان ووزيري التعليم والعدل.

 

وفي هذا الصدد، يربط قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي التزامه بالرحيل بشرط وجودي يتعلق ببقائه على قيد الحياة، ساعيا إلى هندسة عملية الخلافة لضمان خروج رئيس من رحم المنظومة ذاتها يتولى حماية مصالح الأجهزة الأمنية وأبنائه.

 

ومن جهته، يرى محمد حمدي، السياسي المصري ونائب رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، إلى جانب خلافات مراكز القوى، أجبرت رأس السلطة على التحرك المبكر لاحتواء أي انقلاب داخلي يعيد ترتيب المشهد السياسي.

 

واستكمالا لهذا الطرح، يشير حمدي إلى أن إقحام الأكاديمية العسكرية في إعداد كوادر الحكم يهدف إلى تفريخ نخبة سياسية وإدارية تدين بالولاء المطلق للمؤسسة التي اختارتها، بما يضمن استمرار السياسات القمعية ذاتها بوجوه جديدة بعد عام 2030.

 

وعلى صعيد متصل، يصادر هذا النموذج العسكري حق الشعب في اختيار حاكمه عبر تحويل مؤسسات الدولة إلى بوابة مغلقة لانتقاء الرؤساء، بعيدا عن أي ضمانات دستورية أو بيئة سياسية تسمح بانتخابات تنافسية وإعلام حر وقضاء مستقل.

 

ورغم تلك المناورات، يظل السجل الحافل بنقض العهود الرئاسية حاجزا أمام تصديق وعود الرحيل، إلا أن التكرار العلني هذه المرة يفرض التزاما يصعب التراجع عنه دون دفع تكلفة وجودية تهدد حياة رأس النظام وأسرته في السيناريو الأسوأ.

 

وبالتزامن مع هذا المشهد، تتحول خطة التدريب العسكري إلى أداة لإعادة إنتاج حكم ميليتوقراطي بغطاء انتخابي شكلي، يحتكر فيه الجيش دور الوصي على الدولة، ويمنع أي انتقال ديمقراطي حقيقي للسلطة.

 

وتأسيسا على ذلك، تفتقر هذه الترتيبات المسبقة إلى أبسط معايير الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص، لتكرس مبدأ التعامل مع الدولة المصرية كملكية خاصة يحدد حاكمها الحالي بمفرده هوية وشروط من يخلفه في القصر الرئاسي.

 

مراكز القوى وحسابات بقاء الامتيازات

 

وعلى المنوال ذاته، تتحكم مصالح الإمبراطوريات الاقتصادية التي توحشت خلال السنوات الماضية في رسم سيناريوهات ما بعد عام 2030، حيث تتقاطع حسابات المؤسسة العسكرية مع شبكات المنتفعين التي تخشى أي تغيير يهدد ثرواتها المتضخمة.

 

وفي سياق متصل، لا يتعامل الجيش كمؤسسة مع قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي باعتباره شخصا مقدسا، بل يحمي النظام والامتيازات الاقتصادية الواسعة التي انتزعها، ولن يقاتل لمنع خروجه طالما جرى ذلك وفق سيناريو منظم يحفظ مكتسباته.

 

وإلى جانب ذلك، تبرز كيانات اقتصادية موازية مثل مجموعة إبراهيم العرجاني المرتبطة بنجل السيسي، وجهاز مستقبل مصر الذي يبتلع الأراضي والمشروعات، كقوى فاعلة ستقاوم بشراسة أي رئيس قادم يفكر في فتح ملفات الفساد أو إعادة توزيع الثروة.

 

ومن زاوية أخرى، يؤكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن الأنظمة السلطوية التي تفتقر للشرعية الشعبية وتعتمد على شبكات المحسوبية وعسكرة الاقتصاد، تعجز هيكليا عن إنجاز أي تداول سلمي للسلطة خشية المساءلة القانونية.

 

وبالمثل، يوضح صادق أن تضخم الثروات غير المشروعة للمنتفعين حول دوائر الحكم يخلق تحالفا وجوديا لمنع وصول أي قيادة مدنية مستقلة، مما يجعل الصراع حتى عام 2030 منحصرا في البحث عن حارس جديد لذات الشبكات الاحتكارية.

 

ومع تفاقم هذه التناقضات، لا تقف شبكات المصالح على قلب رجل واحد، بل تنخرط في صراع شرس فيما بينها لترتيب المواقع، وقد تقبل بالتضحية برأس النظام الحالي مقابل الإتيان ببديل من داخل المنظومة يضمن استمرار قواعد اللعبة.

 

إلا أن محاولات تفكيك تحالف الأجنحة عبر التلويح بورقة الرحيل في 2030 لا تحل الأزمة المستحكمة، بل تؤجل الانفجار الكبير لكسب المزيد من الوقت، بينما تتآكل قدرة السلطة على ضبط إيقاع الصراع المكتوم بين أجهزتها.

 

وخلاصة القول، فإن الترنح الواضح في خطط النظام يثبت أن المعركة الحقيقية حتى عام 2030 لا تدور حول احترام الدستور، بل حول قدرة الأجنحة المتصارعة على فرض خليفة يحمي إمبراطوريات المال والنفوذ من السقوط والمحاسبة.