يعد اللواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني الأسبق واحدًا من أبرز القيادات العسكرية إبان الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، لكنه لم يكن ينظر إليه بوصفًا انقلابًا، بل كان يعتبره ترجمة للغضب الشعبي المتنامي ضد حكم "الإخوان المسلمين". 


ومع كل منعطف سياسي أو عسكري كبير، تظل تصريحات اللواء وصفي المتعلقة بتداول الحكم أو في شقها العسكري المتعلق بحدود حركة الجيش، بمثابة "المرجع والوثيقة الشاهدة" التي يستدعيها الشارع المصري لتقييم مدى التزام صانع القرار الحالي بالعهود والعقائد التي أُعلنت في مطلع العقد الماضي.

 

 

نفي الطموح السياسي


وفي أعقاب انقلاب الثالث من يوليو 2013، كان اللواء وصفي هو الواجهة الإعلامية والعسكرية الأكثر بروزًا في الشارع المصري، نظرًا لإشرافه المباشر على تأمين المجرى الملاحي لقناة السويس ومحافظات القناة وسيناء.


وفي سلسلة من المقابلات التليفزيونية الشهيرة والموثقة آنذاك، خاض وصفي دفاعًا شرسًا لنفي صفة "الانقلاب العسكري" عما جرى، مؤكدًا أن تحرك القوات المسلحة كان "استجابة قاطعة لإرادة الملايين في الشوارع وحماية للسلم الأهلي".


وأطلق وصفي حينها عبارته الأيقونية التي يتردد صداها حتى اليوم، حيث قال: "لو كان ما حدث انقلابًا عسكريًا، لما وقف الفريق أول عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) في هذا الموقف.. الانقلاب يعني أن يقف قائد الجيش ليعلن توليه السلطة أو إمساكه بزمام الحكم، وهذا لم ولن يحدث".


لكن إعلان السيسي استقالته من القوات المسلحة لاحقًا وترشحه لانتخابات الرئاسة عام 2014، وتوليه الحكم لمدد متتالية، شكّل نفيًا وتفنيدًا عمليًا مباشرًا للفرضية التي دافع عنها اللواء وصفي بقوة أمام الرأي العام، وهو ما يمثل تراجعًا عن التعهدات العسكرية الأولى.

 

 

"أنا حدودي مولعة نار.. أطلع جيشي بره يعمل إيه؟"


بعد أن خلع الزي العسكري ظهر وصفي في مقابلة مصورة وهو يتحدث  بصراحة عسكرية مطلقة حول "العقيدة الجغرافية والدفاعية للجيش المصري"، والرفض القاطع لفكرة الزج بالقوات في صراعات إقليمية مجهولة الدوافع والمآلات.


وقال بنبرته الحادة في المقطع الذي أعيد تداوله بالتزامن مع طلب السيسي من مجلس النواب تفويضًا للدفاع عسكريًا عن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتصاعدة: "أنا إيه اللي يخليني أستنزف قواتي بره؟ ده أنا حدودي الشرقية والجنوبية والغربية مولعة نار.. أطلع جيشي بره يعمل إيه؟ ومظنش القيادة الموجودة بالسذاجة دي.. نبعت قوات مصرية لدول الخليج؟". وأضاف أن حماية الحدود الوطنية الداخلية الملتهبة (مع ليبيا والسودان وسيناء) هي الأولى بكافة الطاقات العسكرية للبلاد.

 

 

سيناريو الستينيات 


وجرى تداول تصريحات وصفي من قبل الرافضين للتدخل العسكري في المواجهة بين السعودية والحوثيين، حيث يستشهد المؤيدون لتحذيراته من مغبة التورط الخارجي، بالتجارب التاريخية القاسية للجيش المصري خارج الحدود، كما حصل في حرب اليمن في الستينيات التي أنهكت الجيش المصري وكانت سببًا مباشرًا للهزيمة في حرب يونيو 1967، مؤكدين أن الجبهات الحدودية الحالية في السودان وغزة وليبيا تتطلب بقاء الجيش في الداخل.


في المقابل، يرى المؤيدون للتدخل العسكري أن هناك فارقًا كبيرًا بين "الحرب البرية" وبين "الدعم الدفاعي التقني واللوجستي الحركي"؛ معتبرين أن أمن الخليج والسعودية هو امتداد مباشر وعضوي للأمن القومي المصري، وأن مساندة الأشقاء في هذا التوقيت المتفجر هي خطوة استراتيجية ودستورية حتمية تحمي المصالح المشتركة، ولا تندرج تحت بند "السذاجة العسكرية" التي حذر منها وصفي قديمًا.