يرسم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مسارا استثنائيا للتحكم في هوية الحاكم المقبل عقب انتهاء ولايته الرئاسية عام 2030، عبر فرض آلية انتقاء مسبقة تحصر التنافس الرئاسي في أشخاص محددين تختارهم المؤسسة العسكرية.

 

ويصادر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي حق المصريين في اختيار حاكمهم، معلنا خلال احتفال تخريج طلاب الكليات العسكرية يوم السبت أنه لن يسلم الراية في عام 2030 إلى أي أحد خارج شروطه المسبقة.

 

 

عسكرة الرئاسة واستنساخ ولاية الفقيه

 

تقتصر تجارب بعض الدول، وعلى رأسها الصين وسنغافورة، على إنشاء أكاديميات متخصصة لتأهيل الموظفين والمسؤولين لتولي مناصب إدارية داخل الأروقة الحكومية والبعثات الدبلوماسية، دون أن يمتد ذلك مطلقا إلى منصب رئاسة الدولة.

 

يتقاطع الطرح المصري الجديد مع نظام الحكم القائم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ ثورة عام 1979، والذي يُدار وفق هيكلية معقدة تدمج المؤسسات الانتخابية بالسيادة الثيوقراطية وتمنع أي شخص خارج دائرة الثورة من الحكم.

 

يستحضر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي جوهر النموذج الإيراني القائم على الفرز المسبق للمرشحين، ليحول المؤسسة العسكرية إلى سلطة فوق دستورية تحتكر تحديد من يصلح للترشح الرئاسي ومن لا يصلح، بعيدا عن الإرادة الشعبية الحرة.

 

تبتعد هذه الآلية المستحدثة عن الشروط القانونية الموضوعية المتعارف عليها دستوريا، مثل العمر والأهلية القانونية، لترتكن بدلا منها إلى معايير فضفاضة وغامضة لم يحدد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ماهيتها أو ضوابطها حتى الآن.

 

ادعى قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام الخريجين العسكريين وجود مسؤولية شخصية تقع على عاتقه وعاتق المؤسسة العسكرية لضمان وصول شخص مناسب للحكم، مكرسا هيمنة الجيش المستمرة منذ الإطاحة بالحكم الملكي عام 1952.

 

لم يشهد التاريخ المصري الحديث منذ عام 1952 وحتى الآن سوى رئيس مدني منتخب 1 هو محمد مرسي، الذي أطاح به قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي نفسه عبر انقلاب عسكري بعد عام 1 من انتخابه.

 

يستند هذا التصور الإقصائي إلى ذريعة منع وصول أي شخص لا يصلح لحكم 110 ملايين مواطن مصري، لتبرير تأسيس كيان يشبه مجلس صيانة الدستور الإيراني بطابع عسكري مصري يدمج التدريب بالتقييم المسبق.

 

يؤكد الدكتور عصام عبدالشافي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن إخضاع المرشحين الرئاسيين لتأهيل عسكري مسبق ينسف مبدأ السيادة الشعبية من جذوره، ويحول الانتخابات الرئاسية إلى إجراء شكلي لاختيار مندوب عن المؤسسة العسكرية.

 

يوضح الدكتور عصام عبدالشافي أن اشتراط المرور عبر بوابة الأكاديمية العسكرية لبلوغ الرئاسة عام 2030 يؤسس فعليا لنظام ولاية الجنرال، الذي يصادر حق 110 ملايين مواطن مصري في التداول السلمي الحر للسلطة.

 

 

مجلس صيانة الدستور بطابع عسكري

 

يتولى مجلس صيانة الدستور في إيران الإشراف المباشر على عمل المؤسسات التشريعية في الدولة، وهو كيان يقابله في بلدان أخرى المحكمة الدستورية، غير أنه ينفرد بسلطة الموافقة المسبقة على مرشحي الرئاسة واستبعادهم بشروط فضفاضة.

 

يتألف مجلس صيانة الدستور الإيراني من 12 عضوا موزعين بالتساوي بين 6 فقهاء و6 حقوقيين، حيث يستأثر مرشد الجمهورية وحده بسلطة تعيين الفقهاء البالغين 50% من إجمالي أعضاء المجلس لضمان السيطرة الكاملة عليه.

 

تكتمل حلقة الهيمنة في النموذج الإيراني بترشيح الأعضاء الـ 6 الحقوقيين عبر رئيس السلطة القضائية، الذي يعينه المرشد الأعلى أيضا، ليُعرضوا لاحقا على البرلمان لانتخابهم في عملية محكمة تغلق المنافذ أمام المستقلين.

 

يحتكر قائد الثورة الإسلامية في إيران صلاحية عزل الفقهاء أو قبول استقالتهم، بينما يتشارك رئيس السلطة القضائية ورئيس مجلس الشورى في مسؤولية قبول استقالة الحقوقيين، ليبقى المجلس خاضعا بالكامل لإرادة رأس السلطة الحاكمة.

 

يناط بهذا المجلس الإيراني النظر في كافة الملفات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء، مع منحه صلاحية مطلقة في فحص جميع المترشحين والحكم بقبولهم أو استبعادهم قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.

 

كانت لجنة الانتخابات العليا في مصر تتولى قبل مقترح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي فحص أوراق المترشحين واستبعاد غير المستوفين للأهلية القانونية، مثلما حدث في استبعاد عمر سليمان لعدم استكماله الأوراق اللازمة.

 

استبعدت اللجنة سابقا الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل بسبب جنسية والدته الأمريكية، وخيرت الشاطر لأحكام قانونية بحقه، فيما تدخلت المحكمة الدستورية العليا ضد عزل مسؤولي نظام حسني مبارك لتبقي أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء قبل ثورة يناير.

 

يرى الدكتور محمد محسوب، أستاذ القانون وعميد كلية الحقوق الأسبق بجامعة المنوفية، أن نقل سلطة فرز المرشحين من الهيئات القضائية إلى أكاديمية عسكرية يمثل انقلابا تشريعيا يهدم القواعد الدستورية ويستبدل بها وصاية عسكرية.

 

يشدد الدكتور محمد محسوب على أن تكليف رئيس البرلمان ووزيري التعليم والعدل بصياغة تشريع ينظم دخول الأكاديمية يستهدف تفصيل قوانين إقصائية، تحول المؤسسة العسكرية إلى جهة وحيدة تحتكر منح صكوك الأهلية السياسية للمواطنين.

 

 

أكاديمية الجنرال وهندسة التوريث المقنع

 

يرتكز النظام المصري المقترح على منح الأكاديمية العسكرية لإعداد وتأهيل الكوادر للدولة المصرية سلطة وضع معايير اختيار المرشحين المقبولين، مع إعفاء كل من عمل في الوزارات 6 سنوات فما فوق من تلك الشروط.

 

يفتح هذا الاستثناء الممنوح لشاغلي المناصب الوزارية طيلة 6 سنوات فأكثر الباب حصريا أمام رجال النظام الحالي للمنافسة الرئاسية المباشرة، في حين تُفرض قيود صارمة ومعقدة لإقصاء أي منافس قادم من خارج السلطة.

 

يلزم المقترح الجديد كل راغب بالترشح للرئاسة بالخضوع لتأهيل داخل الأكاديمية على مدار 30 شهرا، مع قصر الترشح على حملة الدكتوراة سواء من جامعات مصرية أو أجنبية ذات شأن لإقصاء السواد الأعظم من المواطنين.

 

يشارك رئيس البرلمان ونخبة من المفكرين والسياسيين ووزيرا التعليم والعدل في صياغة قانون ينظم انتخاب المؤهلين لدخول الأكاديمية، ليخضع الراغبون لاختبارات قبول تشترط أن تكون أعمارهم بين 40 و50 من العمر.

 

تتحمل القوات المسلحة، وفق هذا المخطط الرئاسي، كافة تكاليف تدريب هذه الكوادر التي يُقدر أن تكون بين 400 و500 فرد، حيث تبلغ تكلفة إعداد الفرد الواحد من 3 إلى 5 ملايين جنيه مصري في العام الواحد.

 

يكلف هذا البرنامج خزينة المؤسسة العسكرية مليارات الجنيهات لفرز نخبة مصنوعة على مقاس السلطة، في وقت يعاني فيه الملايين من أزمات معيشية طاحنة منذ استحواذ قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على الحكم.

 

يعتبر الدكتور خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن تأهيل المرشحين لمدة 30 شهرا داخل الأكاديمية العسكرية بتكلفة تبلغ 5 ملايين جنيه للفرد سنويا يستهدف هندسة نخبة تدين بالولاء المطلق للمؤسسة العسكرية.

 

يبين الدكتور خليل العناني أن حصر الترشح في حملة الدكتوراة الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاما مع إعفاء وزراء النظام يغلق المجال العام، ويضمن استنساخ النظام العسكري ذاته بعد عام 2030.

 

يأتي هذا المخطط امتدادا لمسار استحواذ قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على السلطة للمرة الأولى في عام 2014 عقب الانتخابات الرئاسية التي تلت الانقلاب العسكري، قبل إعادة انتخابه لولاية ثانية عام 2018.

 

يستكمل قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، الذي انتزع ولاية ثالثة عام 2023 تنتهي في 2030 إثر تعديلات دستورية مددت الولاية الرئاسية إلى 6 سنوات، إحكام قبضة المؤسسة العسكرية على الرئاسة المصرية لعقود مقبلة.