تشتعل أسعار الأسمدة الزراعية في الأسواق المحلية اليوم الأحد خلال شهر أكتوبر الجاري، مسجلة قفزات حادة في نترات النشادر واليوريا، مما يضع الفلاح المصري أمام أزمة طاحنة تهدد الموسم الزراعي بالكامل وتضاعف تكاليف الإنتاج.
وتعصف أزمة السوق السوداء بقدرة المزارعين على توفير احتياجاتهم الأساسية، حيث يتزايد الطلب الفعلي مقارنة بالكميات الضئيلة المتاحة عبر القنوات الرسمية التابعة إلى مجلس وزراء الانقلاب، مما يعمق الفجوة التسويقية ويدمر استقرار القطاع الزراعي.
تخبط أسعار النترات يفضح عجز القنوات الرسمية
وفي هذا السياق، أظهرت أحدث بيانات بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار تحركات متفاوتة ومضطربة خلال تعاملات اليوم، شملت نترات النشادر وسلفات النشادر واليوريا بأنواعها المختلفة في كافة المحافظات.
وعلاوة على ذلك، ارتفع متوسط سعر طن نترات النشادر المخصوص تركيز 33.5% ليصل إلى نحو 23623 جنيهًا خلال تعاملات اليوم، مسجلًا زيادة جديدة قدرها 18 جنيهًا مقارنة بمستويات أسعاره السابقة في الأسواق المحلية.
ومن ناحية أخرى، تراوحت أسعار طن نترات النشادر المخصوص داخل الأسواق المحلية بين 21000 جنيه و27000 جنيه، وهو تفاوت سعري ضخم يعكس غياب الرقابة التموينية وترك الفلاحين فريسة لتجار الأزمات والسوق الموازية.
وبالإضافة إلى ذلك، بلغ متوسط سعر طن نترات النشادر العادي نحو 13325 جنيهًا في تعاملات اليوم الأحد، مسجلًا ارتفاعًا إضافيًا بقيمة 32 جنيهًا عن سعره السابق، مما يثقل كاهل صغار المزارعين بأعباء مالية متلاحقة.
وفي الوقت ذاته، تراوحت أسعار نترات النشادر العادي في مختلف الأسواق المحلية بين 4700 جنيه و24400 جنيه للطن، مما يثبت وجود فوضى تسعيرية غير مسبوقة تضرب منظومة التوزيع الرسمية وتفقدها السيطرة على المقررات السمادية.
ومن جهته، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، أستاذ الاقتصاد، أن هذا التفاوت السعري الهائل بين السعر الرسمي والسوق الحرة يرجع مباشرة إلى تقليص حصص الجمعيات الزراعية وتوجيه الإنتاج للتصدير على حساب الفلاح المصري.
وفضلًا عن ذلك، يوضح أستاذ الاقتصاد أن سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في إدارة ملف الطاقة والغاز الطبيعي أدت إلى تكرار توقف مصانع الأسمدة، مما خلق عجزًا هيكليًا في المعروض المحلي منذ شهر سبتمبر الماضي.
وبناءً على ذلك، يضطر المزارع البسيط للرضوخ لأسعار السوق السوداء المشتعلة لإنقاذ محاصيله من التلف، في ظل تقاعس الجهات الحكومية عن ضخ كميات كافية تكسر حدة الاحتكار وتعيد التوازن المفقود للأسواق الزراعية.
ومن ثم، فإن استمرار هذا النهج الحكومي في التعامل مع مستلزمات الإنتاج الزراعي ينذر بتراجع إنتاجية الفدان، ويدفع آلاف المزارعين إلى هجر أراضيهم الزراعية هربًا من الديون المتراكمة والخسائر المادية الفادحة التي تلاحقهم.
تذبذب السلفات واليوريا يعمق جراح المزارعين
وفي المقابل، انخفض متوسط سعر طن سلفات النشادر المخصوص تركيز 20.6% ليصل إلى نحو 18858 جنيهًا خلال تعاملات اليوم، مسجلًا تراجعًا قدره 1460 جنيهًا مقارنة بمستواه السعري السابق في الأسواق المحلية.
ورغم ذلك، ظلت أسعار طن سلفات النشادر المخصوص داخل الأسواق المحلية متأرجحة بشدة لتتراوح بين 10200 جنيه و23000 جنيه، مما يعني أن التراجع المعلن يظل وهميًا ولا يلمسه المزارع الفعلي على أرض الواقع.
وعلى صعيد متصل، سجل متوسط سعر طن اليوريا المخصوص تركيز 46.5% نحو 24142 جنيهًا في تعاملات اليوم، بانخفاض طفيف للغاية بلغ 7 جنيهات فقط عن السعر السابق، ليستمر نزيف الأسعار المرتفعة دون توقف.
وفي السياق ذاته، تراوحت أسعار اليوريا المخصوص داخل الأسواق بين 21000 جنيه و28000 جنيه للطن، وهي أرقام قياسية تفوق القدرة المالية للمزارعين الذين يعانون من تدهور العائد المادي للمحاصيل الزراعية خلال شهر أكتوبر الحالي.
وبالتوازي مع ذلك، ارتفع متوسط سعر طن اليوريا العادي تركيز 46.5% ليصل إلى نحو 13677 جنيهًا اليوم، مسجلًا زيادة كبيرة بلغت 885 جنيهًا دفعة واحدة مقارنة بسعره السابق في الجداول الرسمية المعلنة.
وكذلك، تراوحت أسعار طن اليوريا العادي في الأسواق المحلية بين 4800 جنيه و23000 جنيه، لتتسع الفجوة السعرية بشكل غير منطقي يتجاوز كل المعايير الاقتصادية السليمة ويكرس هيمنة وسطاء السوق السوداء على مقدرات الزراعة.
ولهذا السبب، يرى المهندس عبد الرحمن شكري، الخبير في التنمية الريفية ونقيب الفلاحين السابق، أن المنظومة الإلكترونية لتوزيع الأسمدة وكارت الفلاح تحولت إلى أداة لتعقيد الإجراءات وحرمان المستأجرين وصغار الزراع من حصصهم المقررة.
علاوة على ما سبق، يشير الخبير في التنمية الريفية إلى أن الحكومة تتعامل مع ملف الأسمدة بمنطق الجباية والربح التجاري، متخلية عن دورها في دعم مستلزمات الإنتاج وضمان وصول السماد المدعم لمستحقيه الفعليين.
ونتيجة لذلك، تتحول الحصص المدعمة التي تخرج من المصانع بأسعار منخفضة إلى قنوات التهريب والبيع في السوق الموازية بأسعار مضاعفة، وسط غياب تام لأجهزة الرقابة التموينية والزراعية في مختلف القرى والمراكز.
وهكذا، يدفع المستهلك النهائي فاتورة هذا الفشل الإداري في صورة ارتفاعات جنونية في أسعار الخضروات والفاكهة والحبوب، حيث يقوم المزارع بتحميل تكلفة السماد المشترى من السوق السوداء على السعر النهائي للمحصول الزراعي.
توحش السوق السوداء يهدد الأمن الغذائي
وبناءً على هذه المعطيات، تأتي تحركات أسعار الأسمدة في ظل استمرار أزمة السوق السوداء المتفاقمة، مع ارتفاع حجم الطلب الفعلي مقارنة بالكميات المحدودة المتاحة عبر القنوات الرسمية العاجزة عن تلبية احتياجات السوق.
ومع ذلك، تكتفي المؤسسات الرسمية برصد التفاوت السعري بين أنواع الأسمدة داخل الأسواق المحلية عبر بياناتها اليومية، دون اتخاذ خطوات تنفيذية جادة لتجفيف منابع الفساد الإداري وضبط شبكات الاحتكار التي تتحكم في التوزيع.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور رائد الحسيني، الخبير الاقتصادي المتخصص في دراسات الأسواق، أن هيمنة الشركات الكبرى على حصص التوزيع والتصدير بموافقة حكومية جعلت السوق المحلي يعاني من شح دائم ومقصود في المعروض.
وبالإضافة إلى هذا، يوضح الخبير الاقتصادي أن تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الشحن والنقل في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ساهم بشكل مباشر في مضاعفة أسعار المستلزمات الزراعية وتدمير القوة الشرائية للفلاحين.
وعليه، فإن إصرار الحكومة على تحرير أسعار المدخلات الزراعية تدريجيًا ورفع الدعم عن المزارعين يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الأمن الغذائي القومي، ويزيد من الاعتماد على الاستيراد الخارجي لتوفير المحاصيل الاستراتيجية الأساسية للمواطنين.
كما أن غياب الرؤية الاستراتيجية لإدارة الموارد الزراعية منذ شهر أغسطس الماضي وحتى شهر أكتوبر الجاري يعكس حالة التخبط التي تعيشها الوزارات المعنية، والتي تترك الفلاح يواجه مصيره بمفرده أمام تقلبات الأسعار.
وبالتالي، ستظل أزمة الأسمدة حلقة مفرغة تستنزف جيوب المزارعين وتلتهم مدخراتهم، طالما بقيت القنوات الرسمية عاجزة عن توفير الكميات المطلوبة بالأسعار العادلة، وطالما استمرت السوق السوداء هي المتحكم الفعلي في تسعير الغذاء.
وفي نهاية المطاف، تبقى الأرض الزراعية المصرية رهينة السياسات الاقتصادية المتخبطة التي أفقرت الفلاح وأهدرت مقومات الإنتاج المحلي، لتتحول الزراعة من ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني إلى عبء ثقيل يهدد استقرار المجتمع بأكمله.

