تتصاعد موجات الغضب الشعبي في مختلف المحافظات المصرية إثر عودة انقطاعات التيار الكهربائي مجدداً، لتبدد كافة المبررات الرسمية التي روجت طويلاً لانتهاء الأزمة واستقرار الشبكة القومية بشكل كامل ونهائي.
مواطن بالفيوم ينتقد انقطاع الكهرباء المتكرر لساعات طويلة ويطالب بإنهاء معاناة الأهالي https://t.co/uSguDpq8U2
— شبكة رصد (@RassdNewsN) September 22, 2026
وبالتوازي مع ذلك، تتهاوى التعهدات التي أطلقها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام واقع المعيشة اليومي، حيث تحولت ساعات الظلام المتكررة إلى كابوس يعطل مصالح الملايين ويشل حركة الأسواق.
تهالك البنية التحتية وغياب الصيانة الدورية
علاوة على ما سبق، تعاني شبكات التوزيع الإقليمية من تدهور فني حاد نتيجة إهمال أعمال الصيانة الوقائية لسنوات طويلة، مما جعل المحولات الفرعية عاجزة تماماً عن الصمود أمام التشغيل الاعتيادي.
ومن ناحية أخرى، تكتفي وزارة الكهرباء بإجراء إصلاحات ترقيعية مؤقتة عقب وقوع الأعطال الفعلية، بدلاً من تنفيذ خطط إحلال وتجديد شاملة تمنع تكرار انهيار الخطوط الهوائية والكابلات الأرضية المتهالكة بالقرى.
فضلاً عن ذلك، تسببت سياسات تقليص النفقات المخصصة لقطع الغيار الأصلية في زيادة معدلات الاحتراق المفاجئ للوحات التوزيع، الأمر الذي يترك أحياءً سكنية كاملة غارقة في الظلام لعدة ساعات متواصلة.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور ماهر عزيز، استشاري الطاقة والبيئة وعضو مجلس الطاقة العالمي، أن الاعتماد على المسكنات الفنية دون ضخ استثمارات حقيقية في شبكات التوزيع يضاعف من خسائر المنظومة.
ويضيف الخبير الهندسي أن غياب الجداول الزمنية الصارمة للصيانة الدورية منذ شهر أغسطس الماضي أدى إلى تآكل العمر الافتراضي للمحولات، مما جعل الأعطال المفاجئة ظاهرة يومية تستنزف جيوب المواطنين وأعصابهم.
ونتيجة لذلك، باتت فرق الطوارئ عاجزة عن ملاحقة البلاغات المتراكمة في المحافظات، حيث تفتقر الإدارات المحلية للمعدات الحديثة اللازمة لاكتشاف الأعطال وإصلاحها بسرعة، وهو ما يطيل أمد الانقطاعات بشكل غير مسبوق.
كما تتجاهل البيانات الرسمية حجم الكارثة الفنية عبر تصنيف تلك الانقطاعات كأعطال فردية عابرة، بينما تعكس الشكاوى المتواترة منذ شهر سبتمبر وجود خلل هيكلي يضرب عصب الشبكة في الصميم.
وبناءً عليه، يتحمل المواطن وحده فاتورة هذا التردي الفني من خلال تلف أجهزته المنزلية جراء تذبذب التيار عند عودته، دون وجود أي آليات واضحة للتعويض المالي من جانب شركات التوزيع.
وهكذا، تظل منظومة النقل والتوزيع الحلقة الأضعف التي تبتلع مليارات الجنيهات في مشروعات دعائية كبرى، بينما تفتقر المحولات الداخلية في الأزقة والنجوع لأبسط مقومات الحماية والأمان الفني المستدام.
انفجار الأحمال الموضعية وعجز المحولات المحلية
وعلى صعيد متصل، تشهد المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة ضغوطاً استهلاكية هائلة تفوق القدرات الاستيعابية للمحولات المحلية، مما يؤدي إلى فصل التيار قسرياً لحماية المعدات من الانفجار التام.
إلى جانب ذلك، توسعت الإدارات المحلية في تحصيل رسوم المصالحات العمرانية وتوصيل المرافق للمباني الجديدة، دون أن يصاحب ذلك أي تطوير موازٍ في سعة المحولات القائمة لاستيعاب هذه الزيادات السكانية.
وفي المقابل، تلقي الجهات الحكومية باللوم على المواطنين بدعوى زيادة الاستهلاك المفرط، متناسية أن التخطيط الهندسي السليم يفرض توقع معدلات النمو السكاني وتحديث الشبكات قبل وقوع الكارثة وليس بعدها.
ومن جانبه، يوضح الدكتور مهندس محمد سليم، رئيس قطاع المراقبة المركزية الأسبق بجهاز مرفق الكهرباء، أن تحميل الشبكات فوق طاقتها التصميمية يعكس غياب الرؤية التخطيطية في توزيع الأحمال الجغرافية.
ويشير المسؤول السابق إلى أن الفاقد الفني في الشبكة ارتفع لمعدلات خطيرة خلال شهر أكتوبر الجاري بسبب اختناقات المحولات، مؤكداً أن الشبكة الحالية تدفع ثمن التوسع العشوائي غير المدروس هندسياً.
بالإضافة إلى ذلك، تحولت ظاهرة تخفيف الأحمال من قرار مركزي معلن إلى ممارسة خفية تتم تحت ستار الأعطال الموضعية، حيث تضطر غرف التحكم لفصل التيار لتجنب انهيار المحطات الفرعية بالكامل.
ولهذا السبب، تتكرر الانقطاعات في ذات التوقيتات وبنفس المناطق يومياً، مما يدحض الرواية الرسمية حول عشوائية الأعطال، ويثبت أن الشبكة المحلية عاجزة فعلياً عن تلبية الطلب الأساسي على الطاقة.
ومع ذلك، تستمر شركات الكهرباء في رفع شرائح الاستهلاك وفرض زيادات مالية متتالية على الفواتير الشهرية، في مفارقة صارخة تجمع بين تردي الخدمة المقدمة وتصاعد الأعباء المعيشية المفروضة على الأسر.
ومن ثم، تتفاقم معاناة أصحاب الورش الصغيرة والمحال التجارية الذين يعتمدون كلياً على استقرار التيار الكهربائي، حيث تتوقف عجلة الإنتاج اليومي وتتراكم الديون عليهم جراء توقف العمل لساعات طويلة.
وعليه، فإن استمرار تجاهل تحديث سعات المحولات الإقليمية ينذر بتحول هذه الأزمات الموضعية إلى شلل تام يضرب المرافق الحيوية، خاصة مع غياب أي خطط طوارئ بديلة لإنقاذ الموقف المتأزم.
أزمة إمدادات الوقود وارتباك تشغيل المحطات
وفي سياق متصل، يرتبط استقرار الشبكة القومية ارتباطاً وثيقاً بمدى توافر إمدادات الغاز الطبيعي والمازوت، وهي المعضلة التي لا تزال تؤرق محطات الإنتاج وتمنعها من العمل بكامل طاقتها القصوى.
ورغم ذلك، تروج التصريحات الحكومية لوجود فائض ضخم في قدرات التوليد الاسمية، متغاضية عن حقيقة أن هذه المحطات العملاقة تظل مجرد هياكل خرسانية صامتة ما لم يتوفر لها الوقود اللازم للتشغيل.
علاوة على ذلك، تسببت أزمة شح العملة الأجنبية وتراكم مستحقات شركات النفط العالمية في تراجع معدلات إنتاج الغاز المحلي، مما وضع وزارة الكهرباء في مأزق يومي لتدبير احتياجات المحطات.
وفي هذا الإطار، يبين المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن الاعتماد المفرط على استيراد شحنات الغاز المسال بأسعار فورية مرتفعة يمثل عبئاً مالياً يستحيل استدامته لفترات طويلة.
ويلفت الخبير البترولي إلى أن تراجع ضغوط الغاز المورد لمحطات الكهرباء منذ شهر يوليو الماضي أجبر المشغلين على خفض إنتاجية التوربينات، مما انعكس مباشرة على استقرار التيار في مختلف المحافظات.
وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن اللجوء لحرق المازوت كبديل رخيص للغاز الطبيعي يؤدي إلى تقليص الكفاءة الحرارية للمحطات، فضلاً عن تسببه في أعطال ميكانيكية جسيمة تتطلب توقف الوحدات للصيانة.
ونتيجة لهذا التخبط، تعيش وزارتا الكهرباء والبترول حالة من تنازع المسؤوليات حول توفير السيولة الدولارية اللازمة لشراء الوقود، بينما يظل المواطن هو الضحية الوحيدة لهذا الصراع الإداري والمالي المحتدم.
كما أن رهن استقرار الشبكة بالقروض الخارجية وتسهيلات السداد لشراء شحنات الوقود يضع الأمن القومي الطاقي في مهب الريح، ويجعل البلاد عرضة لموجات ظلام جديدة مع أي تعثر مالي طارئ.
وفي النهاية، تبرهن هذه الأزمات المتلاحقة على أن السياسات الاقتصادية المتبعة قد حولت قطاع الكهرباء من قصة نجاح مزعومة إلى عبء ثقيل، يعكس فشل الإدارة في تأمين أبسط حقوق المواطنين.

