أثار الكاتب جمال فهمي تساؤلات بشأن أحدث وعود عبد الفتاح السيسي، لا سيما تعهده بعدم المساس بالدستور، في ظل سجل طويل من الوعود والتعهدات التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بل جاءت الوقائع في أحيان كثيرة على النقيض منها.


وفي مقال رأي نشره موقع المنصة، يرى فهمي أن تعهد السيسي، خلال كلمته في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة قبل أيام، بعدم المساس بالدستور الذي توافق عليه المصريون، جاء وسط تصاعد المخاوف من مساعٍ لتكرار سيناريو تعديل الدستور، بما يسمح بتمديد فترة الرئاسة الحالية التي تنتهي في عام 2030.


ويقول الكاتب إن الوعد، إذا نُفذ بالفعل، يعني عدم تمديد فترة الرئاسة، وهو ما يفترض أن يبعث على فرحة عارمة، باعتباره يمهد للتطبيق الفعلي لأول مرة لمبدأ دستوري جوهري، تقوم عليه دساتير الدول الديمقراطية، وهو التداول السلمي للسلطة. غير أن التاريخ الطويل من الوعود غير المنفذة يحول دون الاحتفاء بهذا التعهد أو الاطمئنان إلى تحوله من مجرد كلمات إلى واقع ملموس.

 

 

وعود سابقة بتداول السلطة.. وتعديلات دستورية أطالت فترة الرئاسة


يستعيد فهمي بعض المحطات التي تفسر الشكوك المحيطة بالوعد الرئاسي الجديد، مشيرًا إلى أن المصريين تلقوا في نوفمبر 2017 تعهدًا بالالتزام بالنص الدستوري الذي يحدد مدة الرئاسة بأربع سنوات، مع السماح بالتجديد مرة واحدة فقط.


لكن الدستور عُدّل في عام 2019، وأُدخلت تغييرات جوهرية، كان أبرزها تعديل المواد المنظمة لمدة الرئاسة. إذ ارتفعت مدة الولاية الواحدة من أربع سنوات إلى ست سنوات، مع منح الرئيس القائم آنذاك استثناءً مدّد فترة ولايته الجارية عامين إضافيين.


وبعد ذلك، خاض السيسي الانتخابات الرئاسية التالية وبدأ ولاية ثانية جديدة، من المقرر أن تنتهي في عام 2030.


ويؤكد الكاتب أن هذه الوقائع التاريخية تحول دون الشعور بالارتياح إزاء التعهد الأخير، وتدفع إلى التشكيك في إمكانية تنفيذه. كما يرى أن الغموض يحيط بالوعد، إذ أعقبه حديث مبهم عن قواعد ومعايير اختيار الرئيس المقبل للجمهورية.


ويتساءل فهمي عما إذا كانت الشروط المقترحة، التي تشمل السن والمؤهلات الدراسية والدورات التي تقدمها الأكاديمية العسكرية، مجرد توصيات شخصية أم أنها ستتحول إلى قواعد قانونية أو دستورية ملزمة.


ويشدد على أن الدساتير وثائق بالغة الأهمية، لكن أحكامها ليست نصوصًا مقدسة أو منزلة من رب العالمين، بل هي نتاج بشري يظل قابلًا للتعديل نحو الأفضل عند وجود حاجة حقيقية لذلك. وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول إلى أداة تُفصّل وفق مقاسات أفراد أو جماعات بعينها، بل يجب التعامل مع أي تعديل دستوري بأقصى درجات الحذر، حتى لا يمس المبادئ والقيم الدستورية العليا، وفي مقدمتها التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.


ويعتبر الكاتب أن هذا الطرح يمثل ردًا استباقيًا على حجة يرددها البعض باستخفاف في مواجهة المعترضين على التعديلات الدستورية.

 

 

الإفراج عن سجناء الرأي وفتح المجال العام.. شروط لاستعادة الثقة


يطرح فهمي سؤالًا محوريًا بشأن الخطوات المطلوبة لتحويل الوعد الرئاسي إلى حقيقة، وينقسم السؤال، بحسب رؤيته، إلى شقين: ما الذي يتعين على السيسي ونظامه فعله لتبديد الشكوك الواسعة التي تمنع قطاعات كبيرة من المجتمع من أخذ التعهد على محمل الجد؟ وما الذي ينبغي للمواطنين فعله إلى أن تؤكد الوقائع صحة الوعد أو تكشف عدم الالتزام به؟


ويرى الكاتب أن مسؤوليات السلطة متعددة، لكنها تبدأ بخطوات ضرورية وعاجلة، يأتي في مقدمتها إخلاء السجون من آلاف سجناء الرأي الذين عبّروا عن آرائهم سلميًا، من دون أدنى إشارة إلى ممارسة العنف.


ويصف استمرار احتجاز هؤلاء بأنه جرح بالغ القسوة، مؤكدًا أن الإفراج الفوري عنهم يمثل أول اختبار حقيقي لصدق النوايا وحسن المقصد.


كما يدعو إلى اتخاذ خطوات جادة لإزالة القيود والحواجز التي تخنق المجال العام، وإخراج المنظمات الشعبية والنقابات والجمعيات والأحزاب السياسية من «سجون» مقارها المغلقة، بما يسمح لها بممارسة نشاطها بحرية داخل المجتمع.


ويعتقد فهمي أن إتاحة المجال أمام هذه الكيانات، ولا سيما الأحزاب السياسية، قد تساعدها خلال السنوات القليلة المتبقية قبل الانتخابات الرئاسية على إعداد مرشحين مؤهلين للمنافسة على منصب رئيس الجمهورية.


ويطالب، بالتوازي مع ذلك، بإنهاء أشكال المصادرة الفعلية والرسمية للصحف ووسائل الإعلام، وتحرير جميع وسائل التعبير من القيود الثقيلة المفروضة عليها حاليًا.
 

ويضع الكاتب إنهاء السياسات الاقتصادية المتهورة والمدمرة ضمن الأولويات العاجلة، معتبرًا أنها نشرت البؤس والعوز في المجتمع بأسره. ويدعو، في الحد الأدنى، إلى وقف تفاقم معدلات الفقر عند مستوياتها الحالية، وعدم السماح بارتفاعها أكثر من ذلك.

 


ماذا يفعل المصريون حتى يتضح مصير الوعد الرئاسي؟


بعد تحديد المسؤوليات التي يرى ضرورة أن تتحملها السلطة، ينتقل فهمي إلى دور المواطنين، متسائلًا عما إذا كان ينبغي لهم التعبير علنًا عن شكوكهم القوية، أم التزام الصمت والتعامل مع التعهد وكأن شيئًا لم يحدث، أم اتباع مسار آخر.


ويقول الكاتب إن رأيه، والله أعلم، يتمثل في تجاوز الشكوك مؤقتًا، مع الإصرار على تنفيذ الالتزامات التي حددها، ثم مراقبة ما إذا كان السبسي سيلتزم بوعده أم لا.


ويختتم فهمي طرحه بالدعوة إلى تأجيل الحكم النهائي على التعهد إلى حين ظهور الوقائع العملية التي تثبت صدقه أو تنفيه، معتبرًا أن التعامل مع النتائج ينبغي أن يأتي عندما تتضح معالمها.

 

https://almanassa.com/en/stories/34484