نافذة مصر
قـال المتفائل : انتصرت حماس .. عقبالنا ..
فرد الواقعي :عقبالنا !! وهل انتصرت حماس فعلاً ؟
‫‏المتفائل‬ : هذا يتوقف على نظرتنا لطبيعة المعركة التي تخوضها حماس .. وبخصوص عقبالنا . فهذا يتوقف أيضاً على رؤيتنا لطبيعة المعركة التي يجب أن نخوضها .

‫‏الواقعي‬ : يا أخي بلا فلسفه .

المتفائل : ولا أي فلسفه .. حماس اختارت في البدايه ( لطبيعة الأمر الواقع ) ألا تدخل في مواجهة شامله مع جيش إسرائيل ومظلته العالمية في ظل اختلال واضح للعيان في ميزان القوى وفي الوضع الإقليمي والدولي .. هي اختارت أن تدخل حرب استنزاف طويله لسنوات وعلى التوازي معها تخوض سباقاً لتهيئة الأوضاع وتعديل الموازين بالقدر الأدنى الذي يسمح باستقبال معركة التحرير الحاسمة .

هذه المعركة الطويلة تستلزم تحقيق انتصارات مرحلية تنتزع فيها حماس مساحات جديده وظروف تهئ بها أوضاعاً تسمح بتطوير وإعداد صفوفوها لمعركة التحرير المرتقبة . هذه الانتصارات تعيد الثقة في الطريق المقاوم و تكسر أسطورة الجيش الذي لا يقهر وتقرب للأذهان فكرة التحرير بعد أن أصبحت فكرة خيالية بعد عقود من الهزائم ونشوء واقع جديد .

الواقعي : و ما علاقة الوضع في مصر بكل ذلك ؟!

المتفائل : اصبر قليلاً ..

حتى في هذه المعارك والانتصارات الصغيرة المرحلية فإن حماس لا تنتصر على إسرائيل بفضل جيشها الجرار أو بالمواجهة الشاملة الملحمية , حماس تنتصر على إسرائيل بمعادلة محدده :
العمليات النوعية الموجعه بقوات من النخبة + الضربات الصاروخية الواسعة والمستمرة المتكرره .

فحماس في المعركة الأخيرة كانت تطلق تقريباً 200 صاروخ يومياً على إسرائيل بدون إصابات حقيقية في صفوف العدو إلا بالكاد ، فأثر الصاروح على إسرائيل يكاد يكون كأثر رأس الدبوس على جسد الدب .. ومع ذلك ظلت تطلق صواريخها يومياً رغم اتفاع كلفتها المادية والبشرية عليها حيث استهداف منصات الإطلاق والمقاومين .

ظلت تطلق صواريخها لأنها تعلم أن صواريخها تضع اسرائيل في حالة ارتهان ..

- كيف يأمن إسرائيلي في بيته طالما الصواريخ تطلق عليها ؟
- كيف يعيش اقتصادها وتجارتها والصواريخ تطلق عليها ؟
- كيف يشعر مواطنوها وروادها أن هناك دوله وحكومه طالما الصواريخ تطلق عليها ؟

وعلى مسار آخر أبدعت حماس القسام في العمليات النوعية الموجعه .

فأعملت القتل في القوات المتقدمة لأراضي غزة وفجرت الآليات وفخخت الأنفاق وهاجمت من البحر وأسقطت خلف خطوط العدو .. كل ذلك بمجموعات صغيرة من ‫#‏المجهولين‬ .

فأوجعت إسرائيل وأرعبت ضباطها وجنودها .. وفرضت توازن الرعب على جيش الاحتلال ففهمها وشعر بها أقل جندي وأعلى قياده .

الاستراتيجية إذن :

- صواريخ مستمرة بلا توقف ترتهن العدو عند نقطه معينه .. مع تحمل الخسائر وعض الأصابع .

- عمليات نوعية بمجموعات صغيرة . تفرض توازن الرعب وتردع المجرمين وتقتص لجرائمهم .

- تحقيق انتصارات محدودة متراكمة تبث الثقة في الصف الثوري وتعيد جمع الحاضنة الشعبية المحبطه وتسوق المقاومه كحل وحيد في مواجهة الواقع المؤلم .

الانتصارات المحدودة .. بالتراكم .. وفي ظل ظروف دولية وإقليمية تتهيأ في مسارات أخرى على التوازي .. كل ذلك يدفع الصراع للحالة التي تسمح بخوض معركة حسم منطقية .

الواقعي : فهمت ذلك ولكن فعلاً ما علاقة كل ذلك بالوضع في مصر هم حملوا السلاح وصنعوا الصواريخ ودخلوا في معارك .. وفي مصر تتمسكون بالسلمية فكيف ستحققون نصراً ؟!

المتفائل :من أراد أن يقارن المعركة في مصر بالمعركة في فلسطين .. فهذه هي معطيات المقاربه

الاختيار الذي فرض علينا بعض مجزرة رابعه وتوابعها .. أن فكرة الحسم الثوري باستخدام الوسائل والآليات التي أفرزتها ثورة 25 يناير لم يعد صالحاً . بعد أن اختار الانقلاب نسف كل القواعد اللعبه وكل الخطوط الحمر وكل الثوابت الوطنيه .

هو نفس الاختيار الذي فرض على الفلسطينيين بعد حرب 48 فكانت آخر حرب شاملة بهدف تحرير فلسطين .

وهنا كان أمام الثورة في مواجهة الإنقلاب أحد أربع خيارات :

الاختيار الأول - الاستسلام أمام الواقع الجديد والمعادلة الدموية التي فرضت .
وهذا خيار يعني الانسحاق . انسحاق كل فكرة الثورة الآن و تأجيلها لأجيال قادمه .

الثاني - المواجهة الشاملة بآليات وأدوات 25 يناير في مواجهة معادلة الاشتباك الجديدة التي فرضها الإنقلاب .
وهذا يعني انتحار جماعي وانسحاق ميداني للثورة وقد يؤدي لتأجيل إجباري لفكرة الثورة كلها لأجيال بعيده .

الثالث - المواجهة الشاملة بأدوات ومعادلة الإنقلاب الجديدة . أي مواجهة مسلحة .
وهذا اختيار صعب في ظل عدم توافر مقوماته وكارثية نتائجه المحتملة . فلا يوجد من يحمل السلاح ولا يوجد من يستطيع التخطيط وإدارة هكذا مواجهة عسكرية ولا توجد الحاضنة الشعبية المجمعه حول فكرة الثورة المسلحة ولا الدولة المصرية هشة بالدرجة التي تسقطها حرب مسلحة وكما أن هناك معضلة الميليشيات المسلحة ( ميليشيا الكنيسة - ميليشيات رجال الأعمال - تجار المخدرات - شبكات الجريمة ) وهي كلها ميليشيا مدربه ومسلحة ومرتبطة مصيرياً بالإنقلاب . والنتيجه المتوقعه حرب عالمية إقليمية على الإرهاب المسلح في مصر بمباركة شعبية .. وهو ما يعني إنقاذاً للإنقلاب من أزماته الاقتصادية واستحقاقاته الإجتماعية وأعباؤه الوظيفية .. فهي معركة نلعبها في ملعب الخصم وفي مساحة يجيدها ولا نجيدها .

الاختيار الرابع - التمسك بالثورة ورفض الواقع الجديد وخوض حرب الاستنزاف بمعادلة جديدة .
وهي معركة طويلة وتعتمد على توافر قيادات ثورية ومستويات قيادية مختلفه يتوافر لديها جدية وطول نفس وقدرات خاصة تستطيع فرض معادلة صراع جديده غير التي حاول فرضها الإنقلاب .

وهنا تأتي العلاقه بين استراتيجية الثورة في مصر واستراتيجية التحرير في فلسطين :

- حال التظاهرات في مصر قد يكون أثرها على جسد النظام كأثر رأس دبوس في جسد دب .. لكنها تضع البلد كلها في حالة ارتهان . كما صواريخ المقاومة .

- وحال المجهولين في مصر كحال قوات النخبة في القسام .. تعادل توازن الرعب وتقطع اليد الطولى وترفع كلفة الإنقلاب .

وهنا أذكرك بمعادلة انتصار حماس :

- صواريخ ( مظاهرات في حالتنا ) مستمرة بلا توقف ترتهن العدو ( الإنقلاب ) عند نقطه معينه مع تحمل الخسائر وعض الأصابع .

- عمليات نوعية بمجموعات صغيرة . تفرض توازن الرعب وتردع المجرمين وتقتص لجرائمهم .

- تحقيق انتصارات محدودة متراكمة تبث الثقة في الصف الثوري وتجمع الحاضنة الشعبية المحبطه وتسوق المقاومه (الثورة) كحل وحيد في مواجهة الواقع المؤلم .

الإستمرار في هذا المسار سيوفر مساحة تشابك وتصارع ميداني وفكري وثقافي وسياسي ستنتج على المدى القريب قيادات جديده و نخب ثورية وميدانية جديدة تستطيع خوض معركة حسم مستقبلية حتمية سنختار موعدها أو تفرض علينا .

انطلاقاً من هذا فإن ما يفصل الثورة في مصر عن الإنتصار إلا النجاح في أربع مسارات :

= تكثيف المظاهرات والحفاظ على كتلتها وصداها الإعلامي محلياً ودولياً .

= تطوير العمليات النوعية وتعظيم أثرها من حيث خسائر الإنقلاب وردع مجرميه .

= الصبر على تشكيل قيادات ونخب جديدة تنضج نتيجة التدافع الطبيعي على مستوى الصف الثوري وعلى مستوى الصراع الثوري .

= الإهتمام بالحاضنة الشعبية وتسويق الحسم الثوري في القطاعات الشعبية المحايدة كحل وحيد للأوضاع الكارثية التي أنتجها اللإنقلاب مما سينتج حصاراً ميدانياً وفكرياً للحاضنة الشعبية المعادية .

= العمل على خلق معارك حول أهداف صغيرة تستطيع فيها تحقيق انتصارات مرحلية متراكمة تبث الثقة في الصف الثوري وتجمع الحاضنة الشعبية المحبطه وتدفعها للنزول للشارع مجدداً للمشاركة في تحقيق إنجازات صغيرة أخرى .

النجاح في هذا المسار سيؤهل الأوضاع شعبياً وداخلياً وخارجياً للحظة حسم بمعطيات مختلفة وقدرات وتوازن مختلف .. و نتيجة مختلفه .

هذا المسار يحقق حالة ارتهان ترتب انكشاف للفشل الاقتصادي والسياسي والإداري والأمني للإنقلاب .

يترتب عليه حالة من السخط تدفع الإنقلاب لمزيد من التهور والبطش الذي يواجه باختراقات جريئة لمجموعات من الشباب المجهول . بما يحقق حالة من الإهانة للنظام وآلته العسكرية تشكل ضغطاً شعبياً زائدا . وعلى التوازي هناك معارك صغيرة يخسرها تحت ضغط الضربات والحصار الإعلامي والاستنزاف الميداني والرغبة في القفز وتجاوز المعوقات . بما يحقق إحباطاً في صفوف مؤيدوا الإنقلاب وثقةً و جرأةً في صفوف الثوار .

هل من المنطقي هنا أن نستمع لأحدهم يقول أوقفوا المظاهرات العبثية بدعوى عدم تحقيقها لخسائر في الطرف الآخر وارتفاع كلفتها على صفوفنا .. ؟

وعلى جانب آخر هل من المنطقي هنا أن نستمع لمن ينتقد عنف المجهولين بدعوى أن ثورتنا سلمية ؟

أنهى المتفائل كلامه بهذه العبارة مبتسماً بثقه .

في حين نظر إليه الواقعي صامتاً للحظة قبل أن ينتبه وكأنه يستفيق من غفوه قائلاً : يا عم انت بتبيع للناس الوهم .. فوقوا بقه وديتونا في داهيه .

المتفائل : أدعوا الله أن يشتري الناس مني .. وبلا ثمن