في خطوة جديدة تثير التساؤلات حول توجهاته الاقتصادية والسياسية، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قراراً بإعادة تشكيل المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية التابع لرئاسة الجمهورية، وذلك بموجب قرار رقم 222 لسنة 2024. المجلس الذي يختص باقتراح السياسات الاقتصادية والإنتاجية للبلاد، أُعيد تشكيله ليضم وجوهاً عديدة من نظام حسني مبارك المثير للجدل، في إشارة واضحة إلى استمرار الاعتماد على شخصيات أثارت جدلاً حول فسادها في الماضي. الاعتماد على الفاسدين في إعادة تشكيل الاقتصاد يأتي هذا القرار في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من أزمات متعددة، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، تدهور قيمة الجنيه، وزيادة الفقر والبطالة. وبينما كان من المتوقع أن يعتمد السيسي على خبراء اقتصاديين مستقلين لإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية المتفاقمة، اختار السيسي إعادة الشخصيات القديمة والمثيرة للجدل إلى الواجهة. أبرز هذه الشخصيات هو حسين عيسى، الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، الذي تم تعيينه منسقاً عاماً للمجلس. إلى جانبه، تم تعيين وزيري المالية السابقين يوسف بطرس غالي وهاني قدري دميان، وهما من الأسماء التي ارتبطت بفترات شهدت جدلاً واسعاً حول السياسات الاقتصادية والتصفية الفاسدة لشركات قطاع الأعمال العام. عودة يوسف بطرس غالي إلى الساحة أحد الأسماء المثيرة للجدل في هذا التشكيل هو يوسف بطرس غالي، الذي شغل منصب وزير المالية خلال فترة حسني مبارك. غالي، الذي كان قد صدر ضده حكم غيابي بالسجن لمدة 15 عاماً في قضايا فساد تتعلق بسوء استغلال أموال الدولة واحتفاظه بسيارات مملوكة للمواطنين بدون علمهم، تم تبرئته لاحقاً بعد سنوات من المحاكمات. عودة غالي إلى المشهد جاءت بعد قرار البنك المركزي المصري برفع اسمه من القائمة السوداء في البنوك، مما يسمح له بالتعامل بحرية بحساباته المصرفية. كما رفعت وزارة الداخلية اسمه من قوائم الترقب والوصول، مما يتيح له العودة إلى البلاد في أي وقت. هذا القرار أثار استغراب كثيرين في الأوساط السياسية والاقتصادية، خاصة أن فترة غالي الوزارية شهدت فضائح فساد واسعة النطاق، من أبرزها تصفية مئات الشركات الحكومية وبيعها في صفقات مشبوهة، وتورط حكومته في سرقة أموال صناديق التأمينات والمعاشات. تأثير هذه القرارات على الاقتصاد المصري بالرغم من أن الحكومة تدافع عن هذه القرارات على أنها تهدف إلى "إعادة إحياء" الاقتصاد من خلال الاستفادة من "خبرات" الشخصيات التي كانت لها دور في الفترة الماضية، إلا أن المراقبين يرون أن هذه الشخصيات كانت سبباً رئيسياً في تدهور الوضع الاقتصادي خلال حكم مبارك. إعادة تعيين هذه الشخصيات قد يُفهم منه أنه لا توجد نية حقيقية للإصلاح، بل هو استمرار لنهج الاعتماد على الموالين للنظام القديم، حتى لو كانت تلاحقهم اتهامات الفساد. وبالإضافة إلى يوسف بطرس غالي، يضم التشكيل الجديد للمجلس شخصيات اقتصادية أخرى على غرار هاني قدري دميان، الذي تولى منصب وزير المالية بعد ثورة يناير، وشهدت فترته تفاقم الأزمة الاقتصادية نتيجة السياسات التقشفية التي تم فرضها تحت مظلة اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي. كما تم تعيين رجال أعمال بارزين مثل محمد زكي السويدي، رئيس اتحاد الصناعات، وكريم عوض، الرئيس التنفيذي لشركة "إي إف جي" القابضة، وأشرف كامل موسى، العضو المنتدب لشركة "فوري" لتكنولوجيا البنوك والمدفوعات الإلكترونية، ضمن تشكيل المجلس. معارضة متوقعة من الشارع المصري> من المتوقع أن تثير هذه التعيينات غضب قطاعات واسعة من الشعب المصري، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها المواطن العادي. تعيين شخصيات مرتبطة بالفترة الماضية يُعتبر لدى البعض استمراراً لنظام المحسوبية والفساد، ويعكس عدم جدية النظام الحالي في إحداث تغيير حقيقي في السياسات الاقتصادية. وتشير الأوساط المعارضة إلى أن هذه التعيينات لا تخدم سوى الطبقة الحاكمة ومن يحيط بها من رجال الأعمال، بينما يتحمل المواطن العادي أعباء الفساد وسوء الإدارة. كما يعزز هذا التوجه انعدام الثقة في قدرة النظام على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد. ختاما ؛ تأتي إعادة تشكيل المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية في إطار نهج متواصل للسيسي يعتمد فيه على وجوه قديمة ارتبطت بحقبة فساد شهدتها مصر قبل ثورة يناير. ومع استمرار الأزمة الاقتصادية، يُطرح التساؤل حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستساهم في إيجاد حلول حقيقية أو ستعزز من نهج الفساد والمحسوبية الذي طالما عانت منه البلاد. الشارع المصري سيظل يترقب بشك وقلق نتائج هذه التعيينات، في ظل وضع اقتصادي متردٍ قد لا يسمح بمزيد من التلاعب بمصير البلاد. اختيار السيسي لشخصيات فاسدة ومثيرة للجدل يعزز الاعتقاد بأن التغيير الذي يتطلع إليه المصريون لا يزال بعيد المنال.

