شهد الاجتماع السادس لمجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي انعقد في إسطنبول، حالة من الجدل المتصاعد حول مواقف الاتحاد، إذ جدّد المجلس تأكيده على حرمة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ودعا الدول الإسلامية إلى تبنّي موقف موحّد لنصرة القضية الفلسطينية. وفي المقابل، أثار بيان للأمين العام للاتحاد، الدكتور علي القره داغي، بشأن التطورات في سوريا انتقادات واسعة، اعتبرها أصحابها مساواة بين الدولة السورية وبعض التنظيمات المعارضة، ما فتح نقاشًا موسعًا حول طبيعة دور الاتحاد وحدود تداخله بين المرجعية العلمية والدينية والمواقف السياسية الإقليمية.
وعقد مجلس الأمناء دورته السادسة في إسطنبول على مدى يومي 18 و19 يناير 2026، برئاسة الدكتور علي محيي الدين القره داغي، حيث ناقش جملة من القضايا المحورية المرتبطة بأوضاع الأمة الإسلامية والتطورات الدولية المتسارعة.
وفي كلمته الافتتاحية، شدد القره داغي على أهمية الدور المنوط بالاتحاد والعلماء والدعاة في نهضة الأمة وصون القيم الدينية والإنسانية، في ظل ما وصفه بتحديات متنامية تشمل الاعتداء على المقدسات، ومحاربة الفطرة، وتنامي الإلحاد، وانتهاك المواثيق والأعراف الدولية.
كما اطّلع المجلس على تقارير الرئاسة والأمانة العامة واللجان والفروع، وأشاد بما تحقق من تطور نوعي في العمل المؤسسي، مؤكدًا ضرورة أن تركز الخطة السنوية المقبلة على القضايا العلمية والتعليمية، إلى جانب مواكبة المستجدات المتسارعة على الساحتين الإسلامية والدولية.
وأكد المجلس المضي في تنفيذ خطط الاتحاد ومشاريعه المختلفة، داعيًا العلماء إلى الاضطلاع بدورهم في تبليغ الرسالة الإلهية ونصرة قضايا الأمة، مع إعطاء أولوية خاصة لدعم القدس والمقدسات، ومساندة الشعب الفلسطيني، والتصدي للعدوان على قطاع غزة، والمطالبة بوقف الحرب وفتح المعابر والشروع في إعادة الإعمار.
وجدد مجلس الأمناء تأكيده على حرمة التطبيع مع الكيان الصهيوني، داعيًا الدول الإسلامية وجامعة الدول العربية إلى تنسيق مواقفها واتخاذ موقف موحد في المحافل الدولية لنصرة فلسطين، كما ثمّن الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى الحفاظ على وحدة اليمن واستقراره، ودعم الشرعية في السودان، وحماية الأقليات المسلمة التي تتعرض للاضطهاد في عدد من المناطق، من بينها الهند وكشمير وروهينغا وتركمنستان.
وفي الشأن الدولي، ندد المجلس بالاعتداءات والتدخلات العسكرية في الشؤون الداخلية للدول، واستنكر تصاعد خطاب الإسلاموفوبيا واستهداف المؤسسات الإسلامية المعتدلة في الغرب، مؤكدًا ضرورة التوصل إلى تعريف قانوني دولي واضح لمفهوم إرهاب الدول والأفراد، والاهتمام بتطوير المناهج التعليمية الإسلامية الرصينة بما يحفظ الهوية والثقافة والقيم الإسلامية.
واختتم مجلس الأمناء أعماله بالترحيب بتأسيس الجامعة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا في تركيا، متمنيًا التوفيق لرئيسها الدكتور محمد غورماز، وداعيًا المسلمين إلى توحيد الصف ونبذ الفرقة، وتعزيز العمل الخيري والتكافل الاجتماعي، والاستعداد لاستقبال شهر رمضان بروح من العطاء والتعاون.
وكان جدل قد أثير حول موقف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور علي القره داغي مما يجري في سوريا، بعد أن انتقد الكاتب سمير العركي موقف القره داغي بشأن المعركة التي خاضتها الدولة السورية ضد قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني، معتبرًا أن البيان أصدره رئيس الاتحاد بشكل يساوي بين الدولة السورية والتنظيم الإرهابي، مما يورط الاتحاد في التداعيات الأدبية والمعنوية لهذا الموقف.
وشارك الإعلامي جمال سلطان في الانتقادات، مطالبًا القره داغي بالاعتذار عن البيان وإعادة النظر في استخدام منصات الاتحاد للترويج لميوله السياسية، مشيرًا إلى أن استمرار بعض قيادات الاتحاد في التجاذبات السياسية أدى إلى تراجع دوره وفعاليته على المستوى الدولي.
أخطأ الدكتور/ علي القره داغي خطأ فادحا بالبيان الذي أصدره بشأن المعركة الشريفة التي خاضتها الدولة السورية صد عصابات PKK الإرهابية.
— سمير العَركي (@s_alaraki) January 19, 2026
حتى وإن كان أصدر البيان بشكل شخصي إلا أنه في النهاية هو الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ما يعني توريط الاتحاد بأكمله في التداعيات… https://t.co/Pk7fyZxa6s
في المقابل، أوضح الدكتور القره داغي في كلمة مصورة نشرت على صفحة الاتحاد أن الحملة على موقفه كانت ممنهجة، مستغلة استقالة الدكتور محمد غورماز لتأسيس الجامعة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا في تركيا، وأنه لم يكن يقصد دعم أي فصيل علماني أو الانفصال، مؤكدًا تمسكه بوحدة الأمة الإسلامية والدفاع عن مصالحها، ودوره في نصرة القضية الفلسطينية.
كما أكدت مصادر الاتحاد أن مبادئه الأساسية تتضمن دعم وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، وتحقيق دولة المواطنة والقانون، مع استمرار الاتحاد في نشاطه العلمي والديني بعيدًا عن أي تدخلات سياسية حزبية أو جهوية.
وأوضح الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور علي الصلابي أن الدكتور محمد غورماز كلّف بمهمة عظيمة وهي تأسيس الجامعة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا، التي تهدف إلى تقديم الإسلام الحضاري والأبعاد العلمية والتكنولوجية للإسلام، وهو مشروع عمل عليه لأكثر من عقدين.
وأكد الصلابي أن استقالة غورماز من مجلس الأمناء كانت لأسباب تنظيمية ووقتية، وأن أي خلافات مفتعلة حول موقف الاتحاد أو القره داغي لا صحة لها، مشددًا على أن الاتحاد يظل ملتزمًا بمبادئه في وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، وتحقيق دولة المواطنة والقانون، مع مساندة الشعب السوري والدعاء للقيادة بالتوفيق في مهامها، وفقًا لـ"عربي 21".
وأضاف الصلابي أن الوقت الحالي لا يناسب الانشغال بالمزايدات السياسية، وأن الاتحاد يركز على عمله العلمي والديني بعيدًا عن أي تجاذبات حزبية أو جهوية.

