في أول أيام العام الدراسي الجديد، خرج يونس، التلميذ بالمرحلة الإعدادية (14 سنة)، من منزله في محافظة الجيزة حاملاً حقيبة مدرسية قديمة ومُرمَّمة على عجل. على ظهره، بدت آثار الترميم واضحة، ما أثار قلقه من نظرات زملائه في المدرسة. فالحقيبة قد تم إصلاحها على يد "الإسكافي" الذي انشغل بترميم العديد من الحقائب والأحذية الممزقة قبل بداية العام الدراسي، في ظل تزايد أعداد المواطنين الذين لجأوا إلى إصلاح ما لديهم من مستلزمات مدرسية بدلاً من شراء الجديد.

غلاء الأسعار يثقل كاهل الأسر
تروي والدة يونس، التي تعمل موظفة، أن قرارها بترميم الحقيبة والأحذية القديمة لأبنائها جاء بعد حسابها تكاليف شراء جديدة، حيث وجدت أن عليها دفع حوالي ألفي جنيه لشراء حقائب جديدة لأبنائها الأربعة، بالإضافة إلى 1500 جنيه لشراء أحذية جديدة. هذه المبالغ أصبحت مرهقة للغاية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وتقول: "كنت أعلم أن هذا قد يحرج أطفالي أمام زملائهم، ولكن لم يكن لدي خيار آخر. الزيادة في الأسعار جعلت من الصعب علينا كعائلة توفير مستلزمات جديدة لكل عام دراسي."

بالنسبة لكثير من الأسر المصرية، لم يعد العام الدراسي يشكل فرصة للفرح بل أصبح يمثل تحدياً مالياً كبيراً. فبينما كان الأطفال في السابق ينتظرون بشغف شراء حقائب وأحذية جديدة، أصبح عليهم التأقلم مع واقع مختلف، حيث يتم استخدام القديم والمُرمم ليمضي به العام الدراسي الجديد.

الترميم كبديل للتجديد
دينا سعد، وهي أم لثلاثة بنات، تمكنت من تدبير مبلغ من جمعية مشتركة لتغطية بعض النفقات، لكنها وجدت نفسها مضطرة لترميم الحقائب القديمة بعدما نفدت الأموال من شراء الأحذية الجديدة. تقول دينا: "لم يتبق لدي مال كافٍ لشراء حقائب جديدة، فقررت أن الحقائب القديمة يمكن أن تصمد لعام آخر مع القليل من الإصلاح."

عبد الرحمن محمد، ولي أمر ثلاثة أطفال في المرحلة الابتدائية، قرر التحايل على ارتفاع الأسعار عبر شراء حقائب وأحذية من معرض شعبي بأسعار منخفضة، لكنه يعترف بأن الجودة ليست كما يجب. ومع ذلك، يقول: "فرحة الأطفال بالعام الدراسي لا تقل عن فرحتهم بالعيد، ومن المؤلم كسر فرحتهم لأسباب يصعب عليهم فهمها في هذه السن الصغيرة."

الاقتصاد وتأثيره على الصناعات المحلية
فواز بهجات، وهو إسكافي يعمل منذ سنوات في منطقة عين شمس، يعبر عن دهشته من ارتفاع الإقبال على ترميم الحقائب والأحذية هذا العام. يقول: "لم أشهد هذا الإقبال من قبل، فحتى الموظفين الحكوميين باتوا زبائن لدي. فرحتُ لزيادة العمل والدخل، لكني أشعر بالأسى لأولياء الأمور الذين يواجهون مصاعب مالية." ويشير بهجات إلى أن زبائنه لم يعودوا فقط من الطبقات الفقيرة كما كان في السابق، بل يشملون طبقات اجتماعية مختلفة.

في الوقت نفسه، يعاني بعض التجار من تأثيرات الأزمة الاقتصادية على مبيعاتهم. علي جبر، صاحب مكتبة لبيع مستلزمات المدارس، يتحدث عن تكبده خسائر كبيرة هذا العام بعد شراء كمية كبيرة من الحقائب المدرسية التي لم يتمكن من بيع سوى نصفها. يقول جبر: "في مثل هذه الأيام من كل عام، كنت قد بعت كل المخزون وحققت مكاسب جيدة، لكن هذا العام الأمور اختلفت تماماً."

تناقض في التصريحات حول وضع الصناعات الجلدية
من ناحية أخرى، يصر محمد مهران، رئيس شعبة الجلود بالغرفة التجارية، على أن الصناعات الجلدية تشهد رواجاً ملحوظاً، مشيراً إلى أن المعارض التي نظمتها الغرف التجارية ساهمت في زيادة المبيعات وتراجع الأسعار، مما أدى إلى استقرار الصناعة وزيادة الطلب على المنتجات الجلدية. ويقول مهران: "المعارض ساعدت في تخفيض أسعار بعض المنتجات إلى مستويات معقولة، مثل الأحذية التي لا يتجاوز سعرها 150 جنيهاً."

ولكن هذه التصريحات تتناقض مع تجارب المواطنين الذين يجدون أنفسهم غير قادرين على شراء المستلزمات المدرسية الجديدة. يوضح أحد أعضاء غرفة الصناعات الجلدية لـ"العربي الجديد" أن هذا التناقض ليس في الحقيقة تناقضاً، بل يعكس واقعين مختلفين. يقول: "الطلب على المنتجات الجلدية قد زاد بالفعل بفضل زيادة التصدير، ولكن هذا أدى إلى تقليل المعروض للسوق المحلية، وبالتالي ارتفعت الأسعار داخل مصر."

الأثر النفسي على الأطفال
بينما يتعامل الآباء والأمهات مع الأزمة الاقتصادية بطرق مختلفة، يبقى الأطفال في كثير من الأحيان غير قادرين على فهم الأسباب التي تدفع ذويهم لإعادة استخدام المستلزمات القديمة. يشير عبد الرحمن محمد إلى الأثر النفسي على الأطفال، قائلاً: "فرحة الأطفال بالعام الدراسي تشبه فرحتهم بالعيد، ومن المؤلم كسر فرحتهم."

في نهاية المطاف، أصبح العام الدراسي الجديد، الذي كان في السابق فرصة للفرح، مناسبة تعكس الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالأسر المصرية. وبينما تحاول الأسر التكيف مع هذه الأوضاع بترميم القديم وشراء المستلزمات الأرخص، يبقى السؤال حول ما إذا كان الحلول المؤقتة تكفي لمواجهة تحديات أكبر تواجه المجتمع المصري.