لم تكتفِ المحامية نهاد أبو القمصان بالاعتراض على لافتات “الصلاة على النبي” من زاوية الذوق العام أو تنظيم الإعلانات في الشوارع، بل اختارت الطريق الأكثر استفزازًا: ربطها مباشرة بـ“بصمة السلفيين أو الإخوان”، ثم إطلاق وصاية أخلاقية على الناس: “هاتوا بفلوس اليفط صفائح زبالة أو تخت للعيال في المدارس”.

 

بهذه الصيغة، لم تعد القضية لافتات من عدمه، بل صارت محاولة مكشوفة لتحويل التدين الشعبي إلى شبهة سياسية، وابتزاز عاطفي باسم المدارس والقمامة، وكأن المواطن البسيط هو المسؤول عن فشل الدولة في النظافة والتعليم، لا الوزارات والميزانيات والرقابة.

الأسوأ أن كلامها يُؤسس لفكرة خطيرة: أي ذكرٍ ديني في المجال العام يُعامل كرمز تنظيم، وأي متدين يُستدعى إلى قفص الاتهام.


 

تخوين على المقاس: “الإخوان والسلفيين” بدل سؤال القانون والنظام

 

لو كانت أبو القمصان جادة في “حل المشكلة”، لبدأت بالسؤال الواضح: هل هذه اللافتات مرخصة؟ هل تشوّه المظهر؟ هل تتسبب في تكدس بصري أو تعديات؟ لكنها قفزت فوق كل ذلك إلى تقسيم الناس سياسيًا، وكأن المجتمع لا يملك حق التديّن إلا بعد ختم “خلوّ من التنظيمات”.

هذا ليس نقدًا؛ هذا تصنيع عدوّ وهمي من لافتة، واستدعاء قاموس الاشتباه بدل لغة التنظيم.

 

محمد كتب بوضوح أن العبارة نفسها حين رآها في منشور أو لافتة ذكّرته بالصلاة على النبي ففعل، ثم سأل ببساطة: أين الضرر؟ لماذا تُعامل جملة تذكير دينية كأنها تهديد؟

 

وياسر واجه الفكرة من جذورها: هل اللافتات “غالية” لهذا الحد فعلًا حتى تتحول فجأة إلى شماعة لكل أزمات التعليم؟ ولماذا تصبح المشكلة فقط عندما تكون الرسالة “صلّوا على النبي” بينما تمتلئ الشوارع بلافتات أخرى (ومنها لافتات الانتخابات) دون نفس الصراخ؟

 

المغزى هنا أن أبو القمصان لم تنتقد “الإنفاق” بقدر ما قدّمت “الدين” نفسه كموضوع قابل للتجريم الاجتماعي، ثم ألصقت به تهمة سياسية لتبرير النفور منه.

 

أولويات انتقائية: المدارس تُستحضر عند الدين وتُنسى عند مواسم البذخ

 

الجملة التي رفعتها أبو القمصان كأنها “حكمة” — “هاتوا بفلوس اليفط تخت للعيال” — تبدو إنسانية، لكنها انتقائية ومراوغة: لماذا تتحول المدارس والقمامة إلى قضية عاجلة فقط عندما يرى البعض مظهرًا دينيًا؟ ولماذا لا تُفتح بنفس الحرارة عند إنفاق ترفيهي وإعلامي وانتخابي معروف أنه أضخم وأوسع أثرًا؟ هنا تحديدًا سقط خطابها عند كثيرين لأنه بدا “أداة ضرب” لا “حرصًا” حقيقيًا.

 

خالد شرح الفكرة بعمق: الاعتراض باسم المستشفيات والمدارس يظهر فجأة عند بناء مسجد أو أي إنفاق له علاقة بالدين، لكنه يختفي عند الحفلات والفعاليات الترفيهية التي تُصرف عليها أضعاف، ثم يُطلب من الناس أن يشعروا بالذنب لأنهم علّقوا تذكيرًا بالصلاة على النبي.

 

 

طارق ذهب إلى جوهر التناقض: إذا كان معيار “الأولويات” هو الفيصل، فلماذا لا تُفتح الملفات الأكبر: القصور، الديون، أبواب الهدر الواسعة؟ لماذا تكون الشجاعة فقط مع لافتة؟

 

وهكز قدّم مقارنة قاسية لكنها منطقية: إذا كنتم تريدون إسكان غير القادرين وتمويل تعليمهم، فالأبواب الكبرى ليست لافتات ذكر، بل الطائرات الخاصة ومهرجانات الساحل والجونة والحفلات الباهظة التي تُنفق فيها أرقام خيالية.

 

وغادة نجيب وسّعت “قائمة الأولويات” التي تجاهلتها أبو القمصان عمدًا: بفلوس القصور تُبنى مصانع، وبفلوس الطيارات تُصلح المدارس، وبفلوس الانتخابات المزورة يُعالج المرضى، وبفلوس اللجان الإلكترونية والإعلام تُرمم القرى ويوفر الشغل للغلابة… بدل تعليق كل الفشل على لافتة “صلّوا على النبي”.

 

كل هذه الردود تُظهر أن طرح أبو القمصان لم يُقنع لأنه بدا وكأنه يطلب من الناس دفع ثمن “عجز الدولة”، ثم يجلدهم أخلاقيًا لأنهم اختاروا تعبيرًا دينيًا بسيطًا.

 

ارتداد السخرية والغضب: حين تحوّل خطاب الوصاية إلى مادة ردّ قاسٍ
خطاب أبو القمصان حمل نبرة وصاية تُهين الناس: “أنتم تعلّقون يافطات.. إذن أنتم سبب القمامة والزحام وتكدس الفصول”. لذلك جاء الرد الشعبي قاسيًا؛ لأنه رأى في كلامها احتقارًا مبطنًا، لا نصيحة. عادل لخّص هذا الغضب بجملة صارت الأكثر تداولًا: طالما الموضوع عندك “فلوس”، طيب تبرعي أنتِ من “القمصان” بدل ما تحمّلي الناس فشل الخدمات وتطالبيهم بتحويل الشارع إلى جمعية تبرعات دائمة.

 

مازن عبّر عن الاشمئزاز من الأسلوب لا من النقاش نفسه، لأن تحويل ذكر النبي إلى مادة اتهام وتهكم يجرّ النقاش لمنحدر مقزز بدل أن يرفعه نحو حلّ حقيقي.

 

وفي الاتجاه المقابل، عبدوه قالها بشكل مباشر: إنفاق اللافتات عنده ليس جريمة، ومسؤولية أثاث المدارس على الوزارة لا على الناس، فلا يجوز قلب المعادلة لتبرئة التقصير الرسمي وتحميله للمواطن.

 

كما ظهرت ردود تحمل لغة إقصائية مثل تعليق أبو محمد، وهو نموذج لكيف يمكن لكلمة مستفزة من شخصية عامة أن تفتح الباب لانحدار الحوار إلى أحكام قاطعة بدل النقاش.

 

وفي النهاية فإن جوهر المشكلة أن نهاد أبو القمصان لم تقدّم نقدًا تنظيميًا أو حلًا واقعيًا، بل قدّمت “اتهامًا جاهزًا” و”درسًا أخلاقيًا” في ميزانية الناس، ثم وضعت التدين الشعبي في خانة الشبهة السياسية.

هكذا يُصنع الاستقطاب: لا بتحسين المدارس ولا بتنظيف الشوارع، بل بتسليط الضوء على ما يحرج المجتمع دينيًا ثم اتهامه، كأن ذكر النبي صار دليل إدانة.

 

والخلاصة الأوضح: من يريد فعلًا تختًا للمدارس وصناديق قمامة، يبدأ بمساءلة الدولة وميزانياتها وأولوياتها… لا بتحويل “صلّوا على النبي” إلى جريمة اجتماعية.