في مؤتمر حزب العمال الحاكم الذي عقد في ليفربول، حاول الحزب إظهار قدر أكبر من التفاؤل بشأن مستقبل الاقتصاد البريطاني، رغم الجدل الذي يحيط بالتخفيضات المقترحة في مخصصات الرعاية الاجتماعية والانتقادات المتعلقة بتلقي كبار الوزراء هدايا ثمينة. رسائل ريتشل ريفز حول الاقتصاد والاستثمار ألقت وزيرة المال، ريتشل ريفز، خطاباً رئيسياً خلال المؤتمر، حيث أكدت على ضرورة فرض "انضباط صارم" في التعامل مع الاقتصاد البريطاني المتأثر بزيادة الديون الحكومية. وبينما أقرّت بأن الحزب يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالإرث الذي خلفته سياسات حزب المحافظين، شددت على أن الحل يكمن في الاستثمار التجاري الذي سيفتح الطريق أمام "نمو مستدام" للمملكة المتحدة. وأعلنت ريفز أن الميزانية الأولى للحزب، المقرر طرحها الشهر المقبل، لن تكون عودة إلى سياسات التقشف التي عرفتها البلاد في عهد المحافظين، بل ستكون ميزانية "طموحة" لإعادة بناء بريطانيا. وأكدت أن الحكومة عازمة على اتخاذ قرارات صعبة ولكنها لن تتراجع عن طموحاتها الكبيرة للبلاد. الزيادات في الأجور والنزاعات العمالية في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة عن زيادات كبيرة في أجور الأطباء وسائقي القطارات، وردت أنباء عن رفض الممرضات لصفقة تحسين الأجور. جاء ذلك بعد وقت قصير من انتهاء خطاب ريفز، مما أثار تساؤلات حول قدرة الحكومة على حل النزاعات العمالية المتصاعدة. تعهدت ريفز بأن الحزب سيواصل التفاوض مع النقابات العمالية لتحقيق حلول مستدامة تُرضي جميع الأطراف، وأكدت أن القرارات الصعبة التي يتعين اتخاذها حالياً لن تقف عائقاً أمام طموحات الحزب لخلق اقتصاد أكثر استقراراً وعدالة. مكافحة الفساد واستعادة الأموال المهدرة من بين القرارات المهمة التي أعلنت عنها ريفز كان تعيين مفوض جديد لمكافحة الفساد، خاصة في ظل ما وصفته بالفشل الحكومي في إدارة العقود خلال جائحة كوفيد-19. وأكدت أن الحكومة ستعمل بجد لاستعادة مليارات الجنيهات الإسترلينية التي أهدرت على عقود غير فعالة خلال فترة الوباء، مشددة على أهمية استعادة أموال دافعي الضرائب. الجدل حول الهدايا والتخفيضات لكن بالرغم من هذه الإعلانات الإيجابية، لم يتمكن الحزب من تفادي الجدل الدائر حول قبول كبار وزرائه لهدايا باهظة الثمن في وقت يعاني فيه البريطانيون من أعباء مالية ثقيلة. فقد كشفت تقارير أن رئيس الوزراء، كير ستارمر، تلقى هدايا وعروض ضيافة بقيمة تزيد عن 100 ألف جنيه إسترليني منذ ديسمبر 2019. كما أثار قبول نائبة رئيس الوزراء، آنجيلا راينر، شقة في نيويورك لقضاء عطلة تساؤلات وانتقادات. تصاعد الجدل عندما تم الكشف عن أن ريفز نفسها حصلت على ملابس بقيمة 7500 جنيه إسترليني، وهو ما زاد من حدة الانتقادات التي تتهم الحزب بالتناقض بين دعواته للتقشف وتلقي أعضائه هدايا فاخرة. لكن ريفز دافعت عن تلك الهدايا والتخفيضات المقترحة في الرعاية الاجتماعية، مشيرة إلى أن إلغاء مدفوعات الوقود في فصل الشتاء، التي كانت تبلغ 300 جنيه إسترليني وتُمنح لعشرة ملايين متقاعد، كان ضرورياً لمواجهة العجز المالي الذي وصفته بـ"الثقب الأسود" الذي خلفه المحافظون. وأكدت أن التخفيضات تهدف إلى الحفاظ على استدامة الميزانية وتحقيق الأهداف الاقتصادية للحزب. ردود الفعل والانتقادات رغم دفاع ريفز عن سياسات الحزب، واجهت هذه القرارات انتقادات حادة من النقابات العمالية، فقد وصفت شارون غراهام، الأمينة العامة لنقابة "يونايت"، قرار إلغاء مدفوعات الوقود بأنه "قاسٍ"، وطالبت الحكومة بالتراجع عنه. كما عبّر العديد من أعضاء الحزب عن خيبة أملهم من القرارات التي تم اتخاذها دون دراسة كافية، مما أثار حالة من الجدل داخل المؤتمر. أحد الناشطين البارزين في الحزب، نيل ماليت، الذي يبلغ من العمر 70 عاماً، أعرب عن استيائه من سياسات الحزب في هذا الشأن، قائلاً: "لا أصدق أن هذا هو أول ما قاموا به، لم يفكروا ملياً في الأمر." التصويت المرتقب على التخفيضات من المقرر أن يتم التصويت على اقتراح إلغاء التخفيضات في المؤتمر الذي سيُعقد يوم الأربعاء، ومن المتوقع أن يشهد تصويتاً مثيراً للجدل، حيث يسعى الحزب إلى تجاوز هذه الأزمات والتفرغ لتحقيق أهدافه الاقتصادية الكبرى. الحوادث خلال المؤتمر لم تخلُ أجواء المؤتمر من بعض التوترات، فقد طُرد رجلان من القاعة بعد أن قاطعا خطاب ريفز ورفضا سياسات الحكومة تجاه تصدير الأسلحة إلى إسرائيل والتلوث البيئي. هذا الحادث أضاف إلى أجواء التوتر داخل المؤتمر، حيث يسعى الحزب إلى التعامل مع أزمات متعددة على عدة جبهات. ختاما ؛ في ظل التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجه بريطانيا، يسعى حزب العمال إلى إظهار رؤية متفائلة لمستقبل البلاد، رغم الجدل المستمر حول سياسات التقشف والهدايا التي يتلقاها كبار الوزراء. في الوقت نفسه، يحاول الحزب تحقيق توازن دقيق بين احتياجات الاقتصاد ومطالب المواطنين، وسط ضغوط من النقابات العمالية وتنامي الانتقادات الداخلية.

