تواجه شركات الطيران والطيارون المدنيون حول العالم تحديًا جديدًا يهدد سلامة الرحلات الجوية. يتعلق الأمر بالتلاعب بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) من خلال إشارات مزيفة تهدف إلى إرباك أنظمة الملاحة والطيران. وفقًا لتقارير نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن هذه الظاهرة تتزايد بشكل ملحوظ، وتؤثر بشكل خاص على الطائرات التجارية، بما في ذلك الرحلات الدولية.

تجارب الطيارين في الأجواء المضطربة
يصف الكابتن دان كاري، أحد الطيارين الأمريكيين، تجربته أثناء قيادته إحدى الرحلات فوق باكستان، حيث تعرضت طائرته لإشارات مزيفة أدت إلى تشويش في نظام تحديد المواقع. ويقول: "كان الأمر مثيرًا للقلق، ولكنه لم يكن مفاجئًا، لأننا كنا على ارتفاع عال. لكن في حالة حدوث طارئ آخر، فإن الوضع قد يصبح خطيرًا للغاية."

تشير التقديرات إلى أن عدد الرحلات الجوية المتضررة من هذه الهجمات قد ارتفع بشكل ملحوظ، حيث ارتفع من عدة عشرات في فبراير إلى أكثر من 1100 رحلة في أغسطس. ويعكس هذا التزايد الخطير زيادة الاعتماد على تكنولوجيا GPS في الطيران الحديث، مما يجعلها عرضة للتلاعب.

الآثار على الطيران المدني
يشير الطيارون ومسؤولون في صناعة الطيران إلى أن هذا النوع من الحرب الإلكترونية يؤثر على الملاحة والسلامة في قمرة القيادة. يتسبب التلاعب في تداخل البيانات، مما يؤدي إلى أعطال قد تستمر لدقائق أو طوال الرحلة. وقد أبلغ الطيارون عن إعادة ضبط الساعات وتحذيرات كاذبة، بالإضافة إلى توجيه مسارات خاطئة.

وفي تصريح لكين ألكسندر، كبير علماء الملاحة عبر الأقمار الصناعية في إدارة الطيران الفيدرالية، قال: "إذا فقدنا طائرة بسبب مشكلات تتعلق بحمل العمل بسبب هذه المشاكل، فسيكون ذلك حدثًا مروعًا." وأكد المسؤولون أنه بينما لم تشكل هذه الهجمات مخاطر أمنية كبيرة بعد، فإنها تتسبب في تشتت انتباه الطيارين في حالات الطوارئ.

استجابة الصناعة والتحديات المستقبلية
في الوقت الذي تتجه فيه شركات الطيران إلى التعاون مع مصنعي الطائرات والجهات التنظيمية لإيجاد حلول سريعة وإصلاحات طويلة الأمد، تشير التوقعات إلى أن المعدات اللازمة لحماية الطائرات المدنية من هذه التهديدات لن تُصدر قبل العام المقبل.

تقدم الطيارون في الوقت الحالي بإحاطات حول كيفية التعرف على عمليات التلاعب المحتملة. وفي بعض الحالات، تم إيقاف الرحلات دون مبرر، مما يعكس حجم التوتر الذي يعيشه الطيارون. يضيف الباحث تود همفريز، أستاذ هندسة الطيران والفضاء، أن معظم الهجمات تأتي من أجهزة الحرب الإلكترونية القوية في دول مثل روسيا وأوكرانيا وإسرائيل.

حوادث سابقة تلقي الضوء على المشكلة
تشير التقارير إلى أن العديد من الحوادث قد شهدت تدخلًا من إشارات GPS المزيفة. ففي سبتمبر 2023، كادت إشارة مزيفة أن تقود طائرة إمبراير إلى إيران دون تصريح، وهو ما كان يمكن أن يؤدي إلى توتر سياسي. وفي حادثة أخرى، ألغت طائرة بوينج 787 هبوطين بسبب فقدان إشارة GPS.

تواجه شركات الطيران والهيئات التنظيمية تحديات في التعامل مع هذه الظاهرة، إذ يصرح فلوريان جيليرميت، المدير التنفيذي لوكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي، بأن التلاعب بنظام تحديد المواقع العالمي قد تسبب في تعطيل العمليات في أوروبا، ولكنه لم يعرض الرحلات للخطر.

الحاجة إلى حلول مبتكرة
يؤكد الكابتن كريستوفر بهنام، الذي تقاعد مؤخرًا، أنه واجه تشويشًا على نظام GPS أثناء الطيران إلى الشرق الأوسط، مما جعله يدرك خطورة الموقف. ويشدد على أهمية أن تكون الصناعة مستعدة لمواجهة هذه التهديدات بأسرع وقت ممكن، خاصة وأن نظام GPS أصبح ركيزة أساسية في الملاحة الجوية.

من الواضح أن الحلول التكنولوجية التقليدية لم تعد كافية لمواجهة هذه التحديات المتزايدة. يجب على صناعة الطيران والهيئات التنظيمية العمل بشكل جاد لتطوير أنظمة أكثر أمانًا وتحصين الطائرات ضد التلاعب، لتفادي حدوث أي كوارث مستقبلية قد تؤثر على سلامة الطيران المدني.