مع تصاعد التوترات على الحدود الشمالية لإسرائيل واحتمالية اندلاع حرب شاملة مع حزب الله، تزداد المخاوف بشأن تداعيات هذا الصراع على الاقتصاد الإسرائيلي المتعثر بالفعل.

أفادت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية في تقرير حديث بأن السيناريو الأسوأ الذي يهدد الاقتصاد الإسرائيلي هو اندلاع حرب شاملة مع حزب الله، مما يزيد من احتمالية حدوث ركود اقتصادي كبير وتفاقم الأزمة المالية التي تعيشها إسرائيل منذ بداية الحرب الأخيرة على غزة.

التأثيرات الاقتصادية المتزايدة للصراع
رغم أن إسرائيل كانت تسعى إلى استعادة عافيتها الاقتصادية بعد اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر الماضي، فإن الأوضاع الاقتصادية لا تزال تتدهور.

كان من المتوقع أن يعود حوالي 300 ألف عامل إلى وظائفهم في المكاتب والمصانع والمزارع بعد فترة القتال، لكن بدلاً من ذلك، تفاقمت الأوضاع الاقتصادية بسبب استمرار التوترات الأمنية وتزايد المخاوف من تصعيد الصراع مع حزب الله في لبنان.

وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، حيث وصل التضخم إلى 3.6% خلال أغسطس 2024. ومن جانب آخر، طلب وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، من البرلمان الموافقة على زيادة طارئة في العجز للمرة الثانية هذا العام، وهو ما يعكس حجم الأزمة المالية التي تمر بها الدولة.

إلى جانب ذلك، أثارت الغارات الجوية التي شنها الاحتلال على الحدود اللبنانية، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 500 شخص، مخاوف المستثمرين من تفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

ورغم أن الصراع الحالي لا يزال مقتصرًا على الحدود الشمالية، إلا أن هناك قلقًا متزايدًا من أن هذا التصعيد قد يمتد إلى مناطق حيوية في إسرائيل مثل تل أبيب والقدس، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية.

التداعيات المحتملة لحرب شاملة مع حزب الله
في حال تصاعدت المواجهات مع حزب الله، فإن إسرائيل قد تواجه سيناريو اقتصاديًا كارثيًا. يعتبر كل من تل أبيب والقدس من المراكز الاقتصادية الرئيسية في إسرائيل، وإذا تعرضت هذه المدن لهجمات صاروخية من حزب الله، فإن ذلك سيتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة.

وتشير "الإيكونوميست" إلى أن مثل هذه الحرب الشاملة قد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من إسرائيل، وتدهور قيمة الشيكل، وارتفاع معدلات البطالة.

بالإضافة إلى ذلك، يتوقع الاقتصاديون الإسرائيليون أن تؤدي الحرب إلى زيادة نفقات الجيش بشكل كبير، مما سيزيد من عجز الموازنة العامة. 

وتوقعت "الإيكونوميست" أن يصل العجز في الموازنة إلى 8.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري، وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف التقديرات السابقة. وقد يضطر البنك المركزي الإسرائيلي إلى التدخل لمحاولة الحفاظ على استقرار العملة المحلية، مما سيؤدي إلى استنزاف الاحتياطات النقدية.

هل تكون الأزمة الاقتصادية دافعًا لوقف الحرب؟
مع تصاعد التوترات على الحدود الشمالية والمخاوف المتزايدة من انهيار اقتصادي شامل، يثار التساؤل حول ما إذا كانت الأزمة الاقتصادية ستدفع صناع القرار في إسرائيل إلى التفكير مرتين قبل الدخول في حرب شاملة مع حزب الله.

يمكن القول إن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة قد تلعب دورًا محوريًا في تحديد موقف الحكومة الإسرائيلية من التصعيد العسكري، حيث إن تكلفة الحرب، سواء من الناحية المالية أو البشرية، ستكون باهظة.

يواجه الاقتصاد الإسرائيلي تحديات كبيرة تتعلق بالتضخم وارتفاع معدلات العجز وهروب المستثمرين، ما يعني أن أي تصعيد عسكري جديد قد يعجل بانهيار الاقتصاد بشكل أسرع. ولهذا السبب، قد تكون القيادة الإسرائيلية أكثر ميلًا إلى تجنب التصعيد الكامل والبحث عن حلول دبلوماسية أو وقف إطلاق النار لتجنب تداعيات اقتصادية أكبر.

على الرغم من ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الأمني والسياسي في حسابات القيادة الإسرائيلية. فقد تكون الحكومة مستعدة لتحمل التكاليف الاقتصادية الكبيرة إذا اعتقدت أن الحرب ضرورية للحفاظ على أمنها القومي أو لإضعاف حزب الله عسكريًا. ومن المحتمل أن تعتمد القرارات النهائية على تطورات الصراع والمستوى الذي يصل إليه التوتر على الحدود.

ردود الفعل الدولية وتأثيرها على الاقتصاد الإسرائيلي
في حال تصاعدت الحرب إلى مستوى شامل، فمن المتوقع أن تزداد الضغوط الدولية على إسرائيل لوقف التصعيد. إلى جانب التأثيرات الاقتصادية الداخلية، قد تواجه إسرائيل عقوبات اقتصادية أو تجميدًا للعلاقات التجارية من بعض الدول، خاصة إذا طالت العمليات العسكرية المدنيين في لبنان.

ومع اعتماد إسرائيل بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية والتجارة الخارجية، فإن أي عقوبات أو تدابير اقتصادية قد تكون لها تأثيرات كارثية على الاقتصاد المحلي.

كما أن أي تحرك دولي لوقف الحرب قد يأتي أيضًا في إطار جهود دبلوماسية أوسع لتجنب كارثة إنسانية أو أزمة اقتصادية إقليمية. ومن الممكن أن تكون هذه الجهود جزءًا من حسابات القيادة الإسرائيلية في تحديد مواقفها المستقبلية من الحرب مع حزب الله.
في النهاية، تلعب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة دورًا كبيرًا في تحديد مواقف القيادة الإسرائيلية تجاه الحرب على لبنان. بينما تسعى الحكومة إلى حماية أمنها القومي، تجد نفسها في مواجهة معضلة اقتصادية قد تكون غير قابلة للحل إذا ما تصاعد الصراع إلى مستوى حرب شاملة.

قد تكون الأوضاع الاقتصادية دافعًا لوقف التصعيد العسكري، لكن في الوقت نفسه، تبقى الاعتبارات الأمنية والسياسية العامل الحاسم في اتخاذ القرارات النهائية.