أظهرت عملية يافا الأخيرة مدى هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وذلك بعد أن تمكن منفذا العملية، وهما شابان من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، من الوصول إلى مدينة يافا في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، وتنفيذ هجوم دامٍ أدى إلى مقتل 7 إسرائيليين وإصابة 9 آخرين. 

يأتي هذا الاختراق رغم الظروف الأمنية الصارمة المفروضة على المعابر والحواجز الإسرائيلية، مما يطرح تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على التصدي لمثل هذه الهجمات.

تفاصيل العملية
وقعت العملية مساء الثلاثاء في شارع القدس بمدينة يافا، حيث قام المنفذان محمد راشد مسك وأحمد عبد الفتاح الهيموني بتنفيذ هجوم مزدوج بدأ بعملية طعن ضد إسرائيلي وعنصر أمن في محطة القطار. وفقًا للشرطة الإسرائيلية، سيطر المنفذان على سلاح عنصر الأمن وبدآ في إطلاق النار تجاه القطار والمارة في الشارع، ما أسفر عن وقوع ضحايا بين قتلى وجرحى.

في موقع العملية، أظهرت المقاطع المصورة أن محمد راشد مسك، الذي كان يبلغ من العمر 21 عاماً، قد استشهد بعد تبادل إطلاق النار مع قوات الشرطة. فيما أُصيب رفيقه أحمد الهيموني بجروح بالغة بعد أن تم تقييده وإصابته برصاص الشرطة، وتم نقله إلى المستشفى.

من هم منفذا العملية؟
محمد راشد مسك وأحمد عبد الفتاح الهيموني، شابان في مطلع العشرينيات من العمر، ينحدران من مدينة الخليل. وفقًا لعائلاتهما، لا ينتمي أي منهما إلى أي تنظيم سياسي أو فصيل فلسطيني، بل كانا معروفين بالتزامهما الديني والخلقي، حيث كان محمد مسك يعمل في صيانة المركبات ودهانها، فيما عمل الهيموني في عدة مجالات بعد خروجه من السجن قبل عام ونصف.

رشاد مسك، عم الشهيد محمد، أكد في حديث لـ "العربي الجديد" أن محمد كان ملتزمًا دينيًا ويعيش حياة عادية دون أي توجهات تنظيمية. "ما قام به هو انعكاس لالتزامه الديني وتأثره بالمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال"، يقول العم، مضيفًا أن "هذا العمل يشرّف الأمة جمعاء وليس عائلتنا فقط".

أحمد الهيموني، من جهته، كان يعمل في تجارة الخضار والبناء مع والده، وسبق أن اعتقل لمدة 4 أشهر على خلفية عمله في الداخل المحتل دون تصريح رسمي. وفقًا لعائلته، فقد مكّنه عمله السابق في الداخل من فهم الوضع الأمني جيدًا، مما ساعده هو وزميله في تنفيذ العملية بنجاح.
اختراق أمني في ظل تشديد الحواجز

ما يثير التساؤلات في هذه العملية هو كيفية تمكن منفذيها من اختراق الحواجز الأمنية المشددة بين الضفة الغربية والداخل المحتل. يُفرض على الفلسطينيين المرور عبر معابر وحواجز مزودة بأنظمة مراقبة صارمة، إلا أن محمد وأحمد استطاعا تجاوز تلك التدابير الأمنية والوصول إلى يافا، وهي مدينة ذات كثافة سكانية إسرائيلية عالية.

تُعتبر هذه العملية ضربة قاسية للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، التي تروّج عادةً لقدرتها على إحباط العمليات قبل وقوعها، خاصة في ظل الظروف الأمنية المشددة منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر من العام الماضي.

وتبرز هنا احتمالية وجود ثغرات في أنظمة الأمن الإسرائيلية، أو تطور في قدرات منفذي العمليات الفلسطينيين على التكيف مع الإجراءات الصارمة.

ردود فعل العائلات والإجراءات الانتقامية الإسرائيلية
في أعقاب العملية، اقتحمت قوات الاحتلال منازل منفذي العملية في الخليل، حيث قامت بتخريب محتويات المنازل واعتقال أقارب الشهيدين. تم اعتقال والد وشقيقي محمد مسك، إضافة إلى اعتقال والد أحمد الهيموني وشقيقيه.

القوات الإسرائيلية قامت أيضًا بقياس المنازل، في خطوة تُشير إلى نيتها هدمها كإجراء انتقامي، وهي سياسة متبعة منذ سنوات في التعامل مع منفذي العمليات ضد الاحتلال.

رغم الاعتقالات والتنكيل، عبّرت عائلات المنفذين عن فخرها بما قام به أبناؤها. يقول محمد الهيموني، أحد أقارب أحمد، إن "العائلة استقبلت نبأ مشاركة أحمد في العملية بفخر واعتزاز، ورغم ما تعرّضنا له من تنكيل واعتقال، إلا أننا نعتبر ذلك فداءً لفلسطين".

السياق الأمني والسياسي للعملية
تأتي هذه العملية في سياق تصاعد التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة. الاحتلال الإسرائيلي يواجه انتقادات حادة بسبب استخدامه القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، فيما تتزايد عمليات المقاومة بشكل غير متوقع، وهو ما يضعف الهيبة الأمنية الإسرائيلية.

أحمد الهيموني، الذي تربى في عائلة عانت من الاعتقال والاضطهاد الإسرائيلي، تأثر بشكل كبير بالأحداث الأخيرة في غزة والضفة، حيث شهدت تلك المناطق تصاعدًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية والمجازر ضد المدنيين الفلسطينيين.

ورغم عدم انتمائه لتنظيم سياسي محدد، فإن أحمد، وفقاً لأقاربه، كان متأثراً بما يحدث على الساحة الفلسطينية، وشارك في العملية بدافع وطني وديني.

تداعيات العملية على الأمن الإسرائيليعملية يافا تسلط الضوء على هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية أمام اختراقات من هذا النوع، خاصة عندما يكون المنفذون غير منتمين لتنظيمات معروفة، ما يجعل التنبؤ بالعمليات أكثر صعوبة. فشل الأجهزة الأمنية في منع وقوع العملية رغم الإجراءات المشددة يثير القلق داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يعتمد بشكل كبير على ترويج فكرة "الأمن الحصين".

في الختام؛ تكشف هذه العملية عن عمق الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتؤكد أن الإجراءات الأمنية وحدها لن تكون كافية لوقف العمليات ما دام الاحتلال مستمرًا في سياساته القمعية ضد الفلسطينيين.