مع اندلاع عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، تباينت ردود الأفعال العربية على مستوى الحكومات والشعوب، حيث شهدت الساحة السياسية العربية انتقادات واسعة للموقف الرسمي من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. تركزت هذه الانتقادات حول عدم تماشي المواقف الرسمية مع حجم الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين. وعلى الرغم من تنديد بعض الدول بالعدوان، فإن مواقف أخرى أثارت جدلاً واسعاً بسبب تأييدها الضمني أو الصريح للكيان الإسرائيلي، وتلك التي اكتفت بدعوات التهدئة. مواقف التنديد والدعوات للتهدئة منذ اليوم الأول للهجوم الإسرائيلي، صدرت بيانات من العديد من الدول العربية تدعو لضبط النفس ووقف التصعيد. كانت هذه المواقف بشكل عام توصف بالهشة والمترددة، حيث اكتفت بعضها بالتنديد بما يجري دون أن ترتقي إلى مستوى الجرائم المستمرة في غزة. إلا أن بعض الدول، مثل العراق وليبيا والجزائر وتونس والسودان وموريتانيا، حملت إسرائيل مسؤولية التصعيد بشكل مباشر. بينما تميزت مواقف دول أخرى بالاعتدال المفرط، مثل الجامعة العربية، التي أدانت "قتل المدنيين" من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، مؤكدة على ضرورة حماية المدنيين وإطلاق سراح الأسرى، دون أن تحدد بوضوح موقفها من الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة. الإمارات والبحرين: إدانات للمقاومة في مقابل المواقف المترددة، أظهرت بعض الدول الخليجية، مثل الإمارات والبحرين، مواقف أثارت انتقادات حادة. فقد شنت الإمارات هجوماً صريحاً على حركة حماس، معتبرة أن عملية "طوفان الأقصى" تهدد استقرار المنطقة. وفي بيان صادر عن وزارة الخارجية الإماراتية، دعت الحكومة إلى حماية المدنيين ووقف العنف. وفي البحرين، أدان ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة عملية "طوفان الأقصى" واصفاً إياها بـ"البربرية"، معتبراً أن هذه الهجمات استهدفت الأبرياء دون تمييز. موقف البحرين جاء مشابهًا لموقف الإمارات، ما أظهر تباينًا في المواقف الرسمية للدول الخليجية تجاه ما يحدث في غزة. السعودية واتفاق التطبيع المؤجل كان الموقف السعودي من العدوان أكثر تعقيداً. ورغم إدانة المملكة لمقتل المدنيين من الجانبين، فقد تزامن هذا مع تقارير تشير إلى تعرقل اتفاقية التطبيع مع إسرائيل التي كانت على وشك الإعلان عنها قبل اندلاع الأحداث في غزة. وتبنت السعودية نهجاً يدعو للسلام والتفاوض، مع تأكيد متكرر على عدم إمكانية التطبيع دون تحقيق خطوات فعلية تجاه إقامة دولة فلسطينية. خلال مؤتمر اقتصادي عُقد في نوفمبر 2023، عبّر وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح عن حزنه على ضحايا العدوان من الجانبين، لكنه أكد أن بلاده تسعى للسلام ولن تستخدم "ورقة النفط" كورقة ضغط على إسرائيل لوقف الهجمات. المشاركة العربية في الحصار على غزة ومع استمرار العدوان وتزايد حدته، تصاعدت الانتقادات الشعبية ضد المواقف العربية الرسمية التي لم تتعدّ دائرة الإدانة اللفظية. فقد أشار العديد من المحللين إلى الدور العربي الفعلي في الحصار على غزة. وكشف موسى أبو مرزوق، القيادي في حركة حماس، عن ضغوط من زعماء عرب على الغرب لدعم تدمير حماس. وأكدت تقارير صحفية تصريحات لمسؤولين أمريكيين تشير إلى وجود توافق عربي على ضرورة القضاء على حماس. الدور المصري في المعبر والحصار لم تكن مصر بمنأى عن الانتقادات. ففي يناير/كانون الثاني 2024، ألقى فريق الدفاع الإسرائيلي في محكمة العدل الدولية اللوم على مصر بخصوص تعثر دخول المساعدات إلى غزة عبر معبر رفح. ورغم نفي القاهرة لهذه الادعاءات، إلا أن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي أكد أن الإجراءات الإسرائيلية تعرقل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، في محاولة لتبرير الفشل في تسهيل إغاثة الفلسطينيين. جسر بري سري بين الخليج وإسرائيل وفي سياق آخر، كشفت تقارير إعلامية عن اتفاق سري بين الإمارات وإسرائيل لتشغيل جسر بري يمر عبر الأراضي السعودية والأردنية، وذلك لتجنب تهديدات الحوثيين بإغلاق الممرات الملاحية. ورغم نفي الأردن لهذه التقارير، إلا أن وسائل إعلام إسرائيلية أكدت وجود خط تجاري فعلي يعمل بسرية تامة منذ نهاية عام 2023. القمم العربية والإسلامية: مواقف سياسية دون تغييرات فعلية تزامن العدوان على غزة مع انعقاد قمم عربية وإسلامية عديدة، أدانت في مجملها العدوان الإسرائيلي ودعت إلى كسر الحصار المفروض على القطاع. وعلى الرغم من توجيه الدعوات لوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، لم يتم اتخاذ خطوات فعلية على الأرض من قبل الدول العربية. وجاءت هذه القمم في ظل ضغوط شعبية متزايدة، إلا أن الإجراءات الفعلية على المستوى الرسمي ظلت محدودة.
ختاما ؛ تتفاوت المواقف العربية الرسمية تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة بين التنديد اللفظي والمشاركة الضمنية في الحصار. وبينما كانت بعض الدول أكثر وضوحاً في معارضتها للمقاومة الفلسطينية، اتبعت دول أخرى سياسة "النأي بالنفس" والدعوة إلى التهدئة، ما فتح باب التساؤلات حول جدوى هذه المواقف في ظل استمرار معاناة الشعب الفلسطيني.

