في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة التي تمر بها مصر والسودان، يجد اللاجئون السودانيون أنفسهم في مأزقٍ مزدوج، بين قسوة الحياة في مصر واستمرار الصراع في وطنهم. مع بداية القتال في السودان في أبريل/نيسان 2023، لجأ أكثر من مليون سوداني إلى مصر هربًا من نيران الحرب وتدمير منازلهم، آملين في حياة أفضل. ولكن مع تفاقم الأوضاع المعيشية في مصر، بدأت آلاف الأسر السودانية تفكر في العودة إلى السودان رغم المخاطر الصحية وتفشي الأمراض مثل الكوليرا.
الغلاء وقسوة العيش في مصر
آمال عبد الله، لاجئة سودانية في الأربعينيات من عمرها، تروي قصتها بصوت متهدج. فرّت مع أسرتها المكونة من خمسة أفراد من الخرطوم إلى مصر هربًا من الحرب. إلا أن الأوضاع في مصر كانت أكثر قسوة مما تخيلت، لتجد نفسها محاصرة بين ارتفاع الإيجارات وصعوبة العيش في ظل الغلاء الفاحش. بعد عام من النزوح، قررت آمال العودة إلى السودان، رغم أن البلاد لا تزال تعيش في دوامة القتال المستمر وتفشي الكوليرا.
تصف آمال في حديثها كيف فشلت في إلحاق اثنين من أبنائها بالمدارس بسبب ارتفاع الرسوم الدراسية، ولم تتمكن من الحصول على المساعدة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، رغم محاولاتها المستميتة للتسجيل في قوائم الانتظار. بالإضافة إلى ذلك، تضاعفت قيمة الإيجارات التي تطالبها بها من قبل صاحب العقار في القاهرة، مما جعل حياتها وأسرها أكثر تعقيدًا وصعوبة.
التهريب والحلول البديلة
في ظل هذه الضغوط الاقتصادية، لجأ العديد من السودانيين إلى طرق غير مشروعة للهجرة إلى مصر، عبر شبكات التهريب التي تستغل حاجة هؤلاء الهاربين من جحيم الحرب. ولكن مع صعوبة الأوضاع في مصر، بات التهريب ليس فقط مدخلًا للنجاة، بل أيضًا مخرجًا للعودة إلى الوطن.
يؤكد ناشطون في مدينة أسوان، جنوب مصر، أن مئات السودانيين الذين عجزوا عن تحمل تكاليف العودة لجأوا إلى تسليم أنفسهم للجيش المصري في نقطة "أبو سمبل" الحدودية، حيث وفر الجيش تسهيلات كبيرة لنقلهم إلى السودان عبر معبر "أشكيت" مقابل 200 جنيه مصري فقط للشخص، في حين كان المهربون يطلبون مبالغ تصل إلى 5 آلاف جنيه (حوالي 100 دولار) للشخص الواحد.
مبادرات العودة ومساعدة النازحين
في ظل تزايد أعداد العائدين إلى السودان، تأسست مبادرة شبابية تحت عنوان "راجعين لبلد الطيبين"، هدفها مساعدة الأسر السودانية الراغبة في العودة إلى وطنها. يعمل القائمون على المبادرة على تنظيم الرحلات وتوفير تذاكر السفر بأسعار مخفضة، بالإضافة إلى متابعة الرحلات من القاهرة إلى أسوان ومنها إلى الحدود السودانية. يؤكد محمد سليمان محمد علي، مؤسس المبادرة، أن الفكرة بدأت بشكل محدود بين أفراد العائلة قبل أن تتوسع لاحقًا مع ازدياد عدد الراغبين في العودة.
وفقًا لسليمان، تم إنشاء عدة مجموعات تواصل على تطبيق واتساب للتنسيق بين الراغبين في العودة وتنظيم الرحلات بشكل منظم. تشهد هذه المجموعات تفاعلاً كبيراً، حيث يتم تنظيم رحلات يومية تحمل العائلات السودانية الراغبة في العودة إلى السودان. رغم ذلك، يظل التحدي الأكبر هو توفير التمويل الكافي لتغطية نفقات العائدين.
الفشل في إدارة أزمة اللاجئين
من وجهة نظر سياسية معارضة، يمكن النظر إلى هذه الأوضاع كدليل على فشل الحكومة المصرية في التعامل مع أزمة اللاجئين السودانيين. منذ بداية الصراع في السودان، استقبلت مصر أكثر من مليون لاجئ سوداني، إلا أن الإجراءات المتخذة من قبل السلطات لم تكن كافية لتحسين ظروفهم. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت غائبة بشكل كبير عن الساحة، تاركة الآلاف من اللاجئين دون مساعدات أو دعم.
كما أن السياسات الاقتصادية للحكومة المصرية، التي أدت إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، جعلت من حياة اللاجئين السودانيين أشبه بالكابوس. غلاء المعيشة وارتفاع الإيجارات وصعوبة الحصول على فرص عمل، كلها عوامل دفعت بالكثير من الأسر إلى اتخاذ قرار العودة إلى السودان رغم المخاطر.
تفاقم الأوضاع الاقتصادية
لا يقتصر تأثير الأوضاع الاقتصادية على اللاجئين فحسب، بل يمتد ليشمل جميع فئات المجتمع المصري. ارتفاع التضخم وتدهور قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية أدى إلى زيادة معاناة المواطنين المصريين والسودانيين على حد سواء. الأسر السودانية التي تعتمد على تحويلات نقدية من ذويها في السودان تعاني من انخفاض قيمة هذه التحويلات، مما جعل العيش في مصر أكثر صعوبة.
هل العودة هي الحل؟
رغم أن العديد من السودانيين يختارون العودة إلى بلادهم، يبقى السؤال الأكبر: هل العودة إلى السودان، الذي لا يزال يعاني من الحرب والتدهور الاقتصادي، هي الحل الأمثل؟ الإجابة ليست سهلة. فالعودة تعني مواجهة مخاطر الكوليرا والموت في أي لحظة نتيجة القتال المستمر. ولكن بالنسبة لكثيرين، باتت الحياة في مصر تحت وطأة الفقر والغلاء لا تطاق، مما جعل العودة خياراً أقل سوءاً.
خاتما ؛ تظل معاناة اللاجئين السودانيين في مصر تعبيرًا عن فشل السياسات الاقتصادية والإنسانية في التعامل مع أزمة النزوح. في ظل هذه الظروف، لا يبدو أن هناك حلاً قريبًا ينقذ هؤلاء الفارين من ويلات الحرب، ما لم تتخذ السلطات خطوات جادة لتحسين أوضاعهم وتقديم الدعم اللازم لهم. وحتى ذلك الحين، ستستمر قوافل العودة إلى السودان، حاملة معها آمالًا مكسورة وأحلامًا تحطمت على صخور الغلاء والفقر.