تتصاعد المخاوف في مصر من سياسة "الأمر المباشر" في المناقصات الحكومية، وهي سياسة اعتمدها قائد الانقلاب العسكري منذ توليه السلطة، وأصبحت نهجًا متبعًا في كافة الوزارات والدوائر الحكومية. هذه السياسة التي كانت تقتصر على حالات محددة أصبحت اليوم شائعة، حتى في العقود والمشاريع التي تتجاوز قيمتها المليارات، مما يفتح الباب أمام الفساد والاختلاس. إحدى أبرز القضايا التي ظهرت مؤخرًا هي قضية فساد وزارة التضامن الاجتماعي، المتعلقة بعملية تأثيث الوحدات السكنية البديلة للعشوائيات. إحالة مسؤولين إلى المحاكمة التأديبية أحالت هيئة النيابة الإدارية تسعة مسؤولين من العاملين السابقين والحاليين بوزارة التضامن الاجتماعي ومديرية التضامن بالقاهرة للمحاكمة التأديبية، بعد تورطهم في مخالفات مالية وإدارية جسيمة في عملية تأثيث الوحدات السكنية المخصصة لسكان المناطق العشوائية. تجاوزت قيمة العقود المتورطة في هذه القضية ثلاثة مليارات جنيه مصري، مما يكشف حجم التربح والتلاعب بالأموال العامة في هذا المشروع الذي كان من المفترض أن يوفر بيئة سكنية آمنة للمواطنين. جاءت هذه الإحالة بعد تحقيقات أجرتها النيابة الإدارية بناءً على بلاغ قدمته وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة، نيفين القباج، التي استندت إلى تقارير الرقابة الإدارية ولجان الفحص، والتي أثبتت وجود مخالفات عديدة شابت كافة جوانب المشروع. مخالفات مالية وإدارية جسيمة أثبتت التحقيقات أن المسؤولين المتهمين لم يضعوا ضوابط فنية دقيقة للمواصفات القياسية التي يجب أن تتوفر في عقود التأثيث، ولم يستعينوا بمتخصصين فنيين في إعداد كراسة الشروط، مما أدى إلى توريد أثاث غير مطابق للمواصفات المطلوبة وغير صالح للاستخدام الشخصي. وقد أوصت النيابة الإدارية بإعادة استبدال الأثاث المورّد لـ 8804 وحدات سكنية، والذي تجاوزت قيمته ثلاثة مليارات جنيه، بعد أن أثبتت اللجان الرقابية عدم صلاحيته. إضافةً إلى ذلك، شملت الاتهامات عدم الالتزام بتشكيل لجان متخصصة لتحديد القيمة التقديرية للمشروع وإجراءات التعاقد والفحص والاستلام، مما أدى إلى تجاوزات مالية وتلاعب في الأسعار. كما تم منح عقود التأثيث لبعض الشركات عن طريق "الأمر المباشر"، رغم تجاوز قيمة تلك العقود الحد الأقصى المسموح به قانونيًا، وهو ما يعد مخالفة صريحة لقانون المناقصات والمزايدات. فساد منظومة "الأمر المباشر" في الحكومة إن توسع الاعتماد على سياسة الأمر المباشر في التعاقدات الحكومية ليس جديدًا، فقد اعتمدها قائد الانقلاب العسكري في كثير من المشاريع الكبرى منذ استيلائه على السلطة، مما جعلها سياسة شبه دائمة في مؤسسات الدولة. فبدلاً من اتباع الإجراءات القانونية التي تضمن الشفافية والمنافسة العادلة في المناقصات، أصبح "الأمر المباشر" هو القاعدة، خاصة في المشاريع التي تشمل عقودًا مالية ضخمة. القضية الحالية في وزارة التضامن الاجتماعي ليست استثناءً، بل تعكس نمطًا مستمرًا من الفساد المالي والإداري الذي يطال مختلف القطاعات الحكومية. فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية لكشف المخالفات، إلا أن سياسة "الأمر المباشر" ما زالت تُستخدم دون قيود واضحة، مما يزيد من فرص التربح والفساد. التصالح مع فساد الكبار: قضية حمادة الصاوي نموذجًا وفي وقت تنشغل فيه الحكومة بملاحقة بعض المسؤولين في وزارة التضامن الاجتماعي، تبرز قضية أخرى تمس مسؤولين أعلى شأنًا، منها قضية فساد النائب العام السابق حمادة الصاوي ونجله المستشار أحمد الصاوي. فقد كشفت تقارير رقابية عن تورطهما في مشروع مساكن أعضاء النيابة العامة، والذي تجاوزت قيمته مليار جنيه. ورغم خطورة هذه القضية، يجري التصالح بشأنها بهدوء بعيدًا عن الرقابة الإدارية. يشير هذا الأمر إلى تراجع دور الأجهزة الرقابية في ملاحقة كبار المسؤولين، خاصة أولئك الذين يتمتعون بعلاقات وثيقة مع النظام. فبدلاً من مواجهة الفساد بشفافية ومحاسبة كل المتورطين، يتم تجاهل قضايا كبار المسؤولين بدعوى الحفاظ على "سمعة" المؤسسات الحكومية، مثل النيابة العامة في حالة الصاوي. تشير قضية فساد وزارة التضامن الاجتماعي إلى مدى تفشي الفساد في المؤسسات الحكومية بسبب الاعتماد غير المقنن على سياسة "الأمر المباشر" في التعاقدات والمناقصات. وبينما تواصل النيابة الإدارية والرقابة الإدارية الكشف عن مخالفات جديدة، تبقى الحاجة ملحة لإصلاح جذري في منظومة التعاقدات الحكومية، يضمن الشفافية ويمنع تكرار مثل هذه التجاوزات.

