تعتبر جزيرة الوراق إحدى المعالم الحيوية الواقعة في قلب نهر النيل، ورغم أهميتها التاريخية والجغرافية، فإنها أصبحت مركزًا لصراع مرير بين سكانها الأصليين والسلطات المصرية. في السنوات الست الماضية، شهدت الجزيرة تصعيدًا في محاولات إخلاء السكان الأصليين من منازلهم، حيث يسعى النظام الحالي بقيادة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى تنفيذ مشروعات سياحية تتعلق بمستثمرين أجانب، لاسيما من دولة الإمارات. حيث يمثل هذا الإخلاء جزءًا من خطة أكبر تهدف إلى تغيير معالم الجزيرة بالكامل، ضاربة بعرض الحائط حقوق الأهالي الذين يعتبرونها موطنهم منذ أجيال. هذا الوضع يبرز التناقض الحاد بين مصالح السكان واهتمامات النظام في تحقيق مكاسب اقتصادية خاصة. القرارات القمعية: إخلاء الأراضي والمرافق التعليمية والثقافية تحت ذرائع مختلفة، أصدرت السلطات قرارات تقضي بإخلاء أراضي ومقرات تعليمية وصحية وثقافية، ما أثار حفيظة الأهالي. القرار الأخير، الذي يشمل إخلاء مناطق حيوية مثل مستشفيات قصر العيني وكلية السياحة والفنادق والمسرح العائم، جاء بموجب توجيهات إدارة مشروعات أراضي القوات المسلحة. هذا الإجراء لا يعد مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة خطيرة تعكس توجه النظام نحو خصخصة الأراضي والمرافق العامة لمصلحة رجال الأعمال الأجانب، بحجة المنفعة العامة. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن إلغاء عقود حق الانتفاع بجميع أراضي "طرح النهر"، التي تمتد على طول نهر النيل، يفتح الباب أمام صفقات مشبوهة قد تؤدي إلى بيع هذه الأراضي إلى مستثمرين أجانب، مما يعكس سياسة الحكومة الرامية إلى التخلص من الأصول الوطنية. التوجه نحو الخصخصة: بيع الأصول الوطنية لمصلحة المستثمرين الأجانب تتزايد المخاوف بين المواطنين من أن تكون الأراضي المستهدفة في جزيرة الوراق مرشحة للبيع لمستثمرين أجانب، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن استحواذ الإمارات على العديد من الأصول المصرية. يعبر العديد من المراقبين عن قلقهم من أن قرار إخلاء أراضي "طرح النهر" هو جزء من سياسة أوسع تهدف إلى بيع الأصول المصرية لمستثمرين أجانب، مما يعني أن حقوق المواطنين تتعرض للانتهاك بشكل متزايد. الكاتب والمحلل السياسي محمد فخري يرى أن هذه الخطوات ليست عشوائية، بل تأتي في إطار خطة منهجية لتفريغ مصر من مواردها لصالح قلة من رجال الأعمال، مما يسهل على الحكومة تنفيذ أجندتها الاقتصادية الخاصة على حساب الشعب. تصريحات الفنانين والسياسيين: دعوات للحفاظ على التراث الثقافي في خضم هذه الأزمات، خرجت العديد من الأصوات لتحذر من عواقب إخلاء المنشآت الحيوية، حيث أعربت الفنانة المصرية سميحة أيوب عن قلقها الشديد ودعت السيسي إلى وقف هدم المسرح العائم، مشيرة إلى الأهمية الثقافية والتاريخية لهذه المنشآت. تصريحاتها تعكس مشاعر الكثير من المواطنين الذين يشعرون بأن الحكومة تتجاهل حقوقهم وتطلعاتهم الثقافية. كما انتقدت البرلمانية مها عبدالناصر بشدة هذا القرار، داعية الحكومة إلى التمييز بين الأراضي التي يمكن سحبها وتلك التي يجب حمايتها. وأكدت أنه من غير المقبول المساس بالمؤسسات التعليمية والثقافية بهذه الطريقة المأساوية، وهو ما يعكس حالة من الاستياء العام تجاه السياسات الحكومية. مخاوف المواطنين: مستقبل مجهول لأراضي الوراق في ظل الاستثمارات الأجنبية تدور تساؤلات عديدة بين المواطنين حول مستقبل جزيرة الوراق في ظل هذه الظروف القاسية. مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية والضغوط الاقتصادية المتزايدة، يشعر المواطنون بالقلق من أن تكون الأراضي التي يعيشون عليها مرشحة للبيع للأجانب، مما يزيد من معاناتهم. التوجه الحكومي نحو إخلاء الأراضي لم يعد مجرد مسألة تتعلق بمشاريع إنمائية، بل أصبح يُنظر إليه كجزء من سياسة أكبر تتعلق بالتفريط في الأصول الوطنية. تتزايد الأصوات المطالبة بحماية الحقوق المدنية في ظل هذه الأزمات، حيث يعبر المواطنون عن قلقهم من مستقبلهم، ويؤكدون على ضرورة الدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم. التحليل السياسي: هل تقتصر أزمة الوراق على الصراع المحلي أم تعكس أزمة أكبر؟ تعتبر أزمة جزيرة الوراق مجرد جزء من صورة أكبر تعكس الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها مصر في الوقت الراهن. الحكومة تسعى إلى تحقيق مشاريع تنموية على حساب حقوق المواطنين، مما يزيد من حالة الاحتقان بين فئات الشعب المختلفة. من الواضح أن النظام الحالي يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتوازن بين تحقيق المشاريع الاقتصادية والحفاظ على حقوق المواطنين. مستقبل جزيرة الوراق في ظل السياسات الحكومية الراهنة
في النهاية، يبدو أن النظام الحالي لا يسعى فقط إلى تهجير سكان جزيرة الوراق، بل يهدف أيضاً إلى بيع هذه الأراضي للمستثمرين، ضارباً بعرض الحائط حقوق المواطنين. الصراع في الوراق يمثل حلقة جديدة في مسلسل قمع الحقوق المدنية، مما يؤكد فشل السياسات الاقتصادية للنظام وتجاهله لمصالح الشعب. إن تجاهل حقوق المواطنين لم يعد خيارًا، بل أصبح جزءًا من المنظومة السياسية الفاشلة التي تقودها الحكومة. ما يحتاجه المواطنون الآن هو استعادة حقوقهم والعمل على مستقبل يضمن لهم كرامتهم وحقوقهم في وطنهم.

