في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية في مصر، جاءت تصريحات رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الأخيرة بشأن الأزمة الاقتصادية العالمية كمحاولة واضحة لتبرير الوضع المتدهور في البلاد، وتحويل الأنظار عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المواطنون. بينما تواجه مصر ضغوطًا هائلة نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، انخفاض قيمة الجنيه، وزيادة أسعار السلع والخدمات، تزداد الانتقادات الموجهة لنظام السيسي الذي لم يقدم حلولًا ناجعة للأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

التصريحات، التي حاول السيسي من خلالها إلقاء اللوم على الظروف الدولية، تعكس في الحقيقة عجز النظام عن مواجهة الأزمات الداخلية ومعالجتها. فالقرارات التي يتخذها النظام، كرفع أسعار الوقود ورفع الدعم عن السلع الأساسية، تُعتبر جزءًا من سياسات تقشفية صارمة تأتي في إطار التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي، لكنها على الجانب الآخر تزيد من معاناة المواطنين.

تصريحات السيسي: تبرير للمأزق الاقتصادي أم محاولة للتغطية؟
أمام هذه القرارات المتكررة التي تزيد من أعباء المواطنين، حاول الرئيس السيسي تبريرها عبر تصريحات ألقى فيها باللوم على الظروف الاقتصادية العالمية، مؤكدًا أن البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي يأتي في ظل "ظروف شديدة الصعوبة تؤثر على اقتصاد العالم كله". ورغم هذه المحاولة لتوجيه الأنظار نحو العوامل الخارجية، يرى الكثيرون أن هذه التصريحات تعكس فشل النظام في تقديم حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد.

تصريحات السيسي جاءت بعد يوم واحد من إعلان رئيس الوزراء عن خطة تدريجية لرفع الدعم عن الوقود حتى نهاية عام 2025، وهي خطوة أثارت مخاوف من تأثيرها على الفئات المتوسطة والفقيرة التي تعتمد بشكل كبير على هذا الدعم لتلبية احتياجاتها الأساسية. ومع الزيادات المتواصلة في الأسعار وارتفاع معدلات التضخم، تبدو هذه الفئات الأكثر عرضة للمعاناة والتضرر نتيجة السياسات الحكومية الحالية.

صندوق النقد الدولي والإصلاحات الاقتصادية القاسية
قرار رفع أسعار الوقود يأتي في إطار التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي، الذي تشترط برامجه تقليل الدعم ورفع الأسعار إلى مستويات تغطي التكلفة بحلول نهاية عام 2025. ورغم أن مصر أوفت بجزء كبير من تعهداتها، فإن الإفراج عن شريحة بقيمة 1.3 مليار دولار من القرض البالغ 8 مليارات دولار تأجل حتى نوفمبر المقبل بطلب من الصندوق.

تشمل تعهدات مصر لصندوق النقد تنفيذ إصلاحات قاسية مثل رفع أسعار الطاقة تدريجيًا، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا للمواطنين في ظل أوضاع اقتصادية هشة، حيث أن أي زيادة جديدة في الأسعار قد تؤدي إلى موجات تضخمية جديدة، ترفع من تكاليف الحياة اليومية على الأسر المصرية. ويعني هذا أن النظام المصري ماضٍ في تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية تعتمد على تقليص الدعم، بغض النظر عن التأثير السلبي لهذه السياسات على مستوى المعيشة.

تعويم الجنيه وارتفاع معدلات التضخم: من يتحمل العبء؟
منذ تعويم الجنيه المصري في مارس الماضي، شهد الاقتصاد المصري سلسلة من الأزمات المالية والاقتصادية، حيث أدت هذه الخطوة إلى انخفاض حاد في قيمة العملة المحلية، مما تسبب في ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات الأساسية. ورغم أن الحكومة تدافع عن هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي، إلا أن التكلفة الأكبر لهذه السياسات يدفعها المواطن البسيط.

تقرير صادر عن وكالة "فيتش" أشار إلى أن معدلات التضخم في مصر ستظل مرتفعة عند مستويات تبلغ 27% في المتوسط خلال النصف الثاني من العام الجاري. ومع هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار، أصبح الوضع الاقتصادي لغالبية المصريين أكثر تعقيدًا وصعوبة. ورغم الوعود الحكومية بخفض معدلات الفائدة بنسبة تصل إلى 12% بحلول عام 2025، إلا أن هذه السياسات لن تكون كافية للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد.

تأثيرات سياسية واجتماعية متزايدة
في ظل هذه السياسات الاقتصادية، تتزايد حالة الاحتقان الشعبي في مصر، حيث تشعر الطبقات الفقيرة والمتوسطة بأنها هي التي تدفع ثمن السياسات الحكومية التي تعتمد على تقليص الدعم ورفع الأسعار. ورغم أن الحكومة تحدثت عن برامج حماية اجتماعية لمساعدة المواطنين في مواجهة الأزمة، إلا أن تأثير هذه البرامج يبدو محدودًا للغاية ولا يتناسب مع حجم الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها المواطنون.

وبينما تسعى الحكومة المصرية لتهدئة الشارع عبر تصريحات سياسية ووعود بالتخفيف من حدة الأزمة، يظل الغضب الشعبي مرشحًا للتصاعد في ظل غياب حلول فعلية لتحسين الأوضاع المعيشية. وتبقى التساؤلات حول قدرة النظام على الاستمرار في تنفيذ هذه السياسات الاقتصادية دون مواجهة تحديات داخلية كبرى، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة من صندوق النقد الدولي لتنفيذ المزيد من الإصلاحات التي قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية.
ختامًا: أزمة اقتصادية خانقة ومستقبل غامض
تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، يواجه الاقتصاد المصري أزمة خانقة تضرب الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع. قرارات رفع أسعار الوقود المستمرة تعكس فشل النظام في تقديم حلول فعالة للأوضاع الاقتصادية المتدهورة، بينما يتزايد الغضب الشعبي من السياسات التي تعتمد على تقليص الدعم ورفع الأسعار دون تحسين حقيقي في مستوى المعيشة.

ومع استمرار التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي وارتفاع معدلات التضخم، يبدو أن المستقبل الاقتصادي للبلاد يزداد غموضًا وتعقيدًا. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: إلى متى يمكن للنظام المصري الصمود في ظل هذه الضغوط؟ وهل ستؤدي هذه السياسات إلى انفجار اجتماعي واقتصادي يصعب السيطرة عليه؟