في السنوات الأخيرة، أصبح رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي محط سخرية وانتقادات لاذعة من قبل العديد من المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب ميله إلى الظهور المتكرر وتقديم نفسه على أنه رمز من رموز مصر الحديثة.
هذا الظهور المكثف والديكتاتوري، كما يصفه البعض، يساهم في زيادة السخط الشعبي ويعزز من السخرية منه ومن رمزيته.
صورة السيسي في محطة بشتيل: مصدر للسخرية والمقارنة
في أحدث مثال على هذه السخرية، أثارت صورة للسيسي وُضعت في محطة قطارات بشتيل بمحافظة الجيزة موجة من التهكم والانتقادات.
الصورة التي تظهر السيسي بجانب الخديوي عباس الأول، حاكم مصر الأسبق وحفيد محمد علي باشا، استدعت مقارنات تاريخية ساخرة بين الشخصيتين.
فمن خلال ربط صفات السيسي بصفات عباس الأول، رأت شريحة كبيرة من الجمهور أن هذه الصورة تعكس تشابهاً بين الاثنين في الأسلوب السلطوي والانعزالي.
الخديوي عباس الأول، الذي حكم مصر في فترة مضطربة، وُصف في كتب التاريخ بأنه "هدم كل ما بناه جده محمد علي"، واتهم بالعيش بمعزل عن هموم الشعب وبالتهاون في شؤون الحكم.
وعُرف عن عهده تراجع في مستوى التقدم الاجتماعي والثقافي، وهو ما يراه البعض مشابهاً لما يحدث في عهد السيسي، الذي يتهمه منتقدوه بالانعزال عن مشاكل الشعب المصري والتركيز على مشاريع ضخمة لا تفيد المواطنين بشكل مباشر.
الديكتاتورية وحب الظهور: ميل السيسي إلى الرمزية الشخصية
حب الظهور هو جزء لا يتجزأ من أسلوب السيسي في الحكم، حيث لا يكتفي بفرض سيطرته الأمنية والسياسية، بل يسعى إلى الترويج لصورته كشخصية تاريخية عظيمة.
في افتتاح محطة بشتيل، وضع السيسي نفسه في موضع المقارنة مع حكام مصر التاريخيين، وهو الأمر الذي زاد من حدة السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتب أحد الناشطين: "الصورة التي تجمع السيسي والخديوي عباس الأول هي دليل على أن التاريخ يعيد نفسه. كلاهما عاشا بمعزل عن هموم الشعب، وكلاهما هدم إنجازات من سبقوهما".
المقارنة بين السيسي وعباس الأول لم تتوقف عند السياسات، بل امتدت إلى الاهتمام بالقصور والمشاريع الضخمة.
إذ عُرف عن عباس الأول تشييد العديد من القصور الفخمة، وهو ما يذكر المواطنين بميل السيسي إلى إنشاء مشاريع ضخمة مثل العاصمة الإدارية الجديدة وقصور رئاسية أخرى، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية خانقة.
ماذا يقول الناس؟
التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي لم تقتصر على السخرية، بل كانت هناك مقارنات تاريخية واضحة.
كتبت إحدى الناشطات: "في عهد عباس الأول تم إغلاق مدرسة الألسن ونفي رفاعة الطهطاوي، وهو ما يعكس كراهية عباس للثقافة والمثقفين.
اليوم، نرى نفس الأمر يتكرر مع السيسي، حيث يتم إغلاق الأفق الثقافي والفكري في مصر، ويتم قمع كل من يجرؤ على تقديم أفكار مغايرة".
وفي تعليق آخر، كتب أحد المغردين: "لم أسمع مدحاً لعباس الأول إلا من بعض السلفيين الذين يرونه متأثراً بالوهابية. نفس الأمر يحدث مع السيسي، الذي يتم مدحه من قبل بعض التيارات رغم أنه لا يقدم شيئاً جديداً للشعب المصري".
السيسي ومحاولة السيطرة على الرمزية الوطنية
ما يزيد من السخرية هو محاولة السيسي المستمرة للظهور كزعيم تاريخي، بينما الواقع يشير إلى تراجع في مستوى المعيشة وزيادة في الفجوة بين الحاكم والمحكوم.
في ظل الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، يبدو أن الشعب المصري أصبح أكثر وعيًا بمحاولات التلاعب بالرمزية الوطنية التي يحاول النظام ترسيخها.
على الرغم من أن السيسي يحاول أن يصور نفسه كقائد يهتم بتطوير البنية التحتية وإنجاز المشاريع الكبرى، إلا أن معظم هذه المشاريع تُعتبر غير مفيدة للمواطنين البسطاء الذين يرزحون تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار.
فبينما يفتتح السيسي محطات قطارات جديدة ويبني قصورًا، يعاني ملايين المصريين من الفقر والبطالة.
افتتاح محطة بشتيل: رمز للفجوة بين الحاكم والمحكوم
افتتاح محطة قطارات بشتيل كان مناسبة أخرى للسيسي لإظهار مدى سيطرته على المشهد الوطني. حيث أعلن عن افتتاح 20 مشروعًا جديدًا في مجال النقل والمواصلات.
وعلى الرغم من تلك الإنجازات المزعومة، فإن الكثيرين يرون أن هذه المشاريع لا تسهم في تحسين حياتهم اليومية، بل تأتي كجزء من حملة دعائية مستمرة لتعزيز صورة السيسي أمام الشعب والعالم.
إن ميل السيسي إلى الظهور المتكرر وفرض نفسه كرمز وطني هو جزء من محاولة للسيطرة على الوعي العام وصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية التي تواجه مصر.
ومع ذلك، يبدو أن هذه الاستراتيجية لم تعد تحقق النجاح المطلوب، حيث تزداد السخرية والانتقادات كلما حاول النظام تلميع صورته.
خاتمة: السخرية كوسيلة للمقاومة
في النهاية، يمكن القول إن السخرية التي يواجهها السيسي ليست مجرد تعبير عن استياء شعبي عابر، بل هي وسيلة مقاومة تستخدمها الجماهير للتعبير عن رفضها للديكتاتورية وحب الظهور الذي يميز أسلوب حكم السيسي.
ومع استمرار هذا النهج السلطوي، ستظل السخرية وسيلة فعالة لتفريغ الغضب والإحباط الشعبي.

