مصر تواجه أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة الصراعات التي تفاقمت في عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وهذه المرة بين السلطة القضائية والنظام الحاكم، على خلفية رفض تسليم نادي قضاة مجلس الدولة في المنيل إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهاز حماية النيل. رفض رئيس نادي القضاة، المستشار عبد السلام النجار، تسليم المقر للجنة حكومية يؤكد مجددًا على تمسك القضاة بمواقفهم، ويعكس تمردًا ضد سياسة الاستحواذ التي يتبعها النظام تجاه المؤسسات الوطنية.

أسباب الرفض وتشبث القضاة بمقرهم
استند المستشار عبد السلام النجار في رفضه إلى أسباب موضوعية توضح مدى تعسف القرار الحكومي. فالنادي يمثل مقرًا وحيدًا لإدارة شؤون القضاة الاجتماعية، ويوفر الرعاية لأسر الأعضاء المتوفين، مما يجعله مرفقًا حيويًا يصعب التخلي عنه. كما يضم النادي غرف مداولات خاصة يستخدمها القضاة في أداء عملهم المهني، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على سير العدالة إذا تم نقل المقر. هذا إلى جانب أن النادي يضم خمس مقار حكومية أخرى، مما يعقد مسألة التسليم ويزيد من تحديات التنفيذ.

توغل السلطة وسياسات الاستحواذ
القرار الحكومي الذي منح القوات المسلحة سلطة إدارة أراضي طرح النهر من شبرا إلى حلوان، جاء بناءً على بروتوكول تعاون بين وزارة الري وجهاز المشروعات، ويمثل امتدادًا لتوجهات السيسي الرامية إلى توسيع هيمنة الجيش على قطاعات الدولة الحيوية. هذه الخطوة لم تتوقف عند نادي القضاة فقط، بل طالت أيضًا عقود الانتفاع بأراضي نهر النيل، مما يضع النظام في مواجهة مع فئات أخرى من المجتمع المصري، بينها الأكاديميون وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين يعتمدون على هذه الأراضي في معيشتهم.

مخاوف من صراع أكبر
الرفض الصريح من قبل القضاة وتسليم النادي، يعزز المخاوف من تصاعد التوتر إلى صراع شامل بين النظام والسلطة القضائية. هذا الصراع يأتي في سياق متزايد من الرفض الشعبي لسياسات السيسي، التي تعتمد على الاستحواذ العسكري على أراضي الدولة ومقدراتها. الكثيرون يرون أن هذا التوجه يكرس لاستبداد النظام وتغوّله على المؤسسات المستقلة، مما يهدد الدولة بأكملها.

النظام في مأزق: التدخل السافر في القضاء
منذ 2020، يحاول النظام العسكري التوسع في السيطرة على الموارد الحيوية، ومنها أراضي نهر النيل. هذه الخطوات، التي تصاحبها ضغوط على المؤسسات المدنية والقضائية، كشفت عن وجه آخر من أوجه الاستبداد التي يمارسها النظام. القضاة، إلى جانب الأكاديميين والناشطين، يرون أن هذه القرارات تأتي في إطار مخطط لتفريغ مؤسسات الدولة من استقلاليتها، وتحويلها إلى أدوات خاضعة للسلطة التنفيذية، ما يضع السيسي في مواجهة مباشرة مع القضاء المستقل.

إلى أين تتجه الأزمة؟
مع إصرار القضاة على رفض الانصياع للأوامر الحكومية، يبدو أن الأمور تتجه نحو تصعيد أكبر، خاصة إذا لم يستجب النظام لمطالبهم. الحكومة تحاول فرض سيطرتها بالقوة، في الوقت الذي يحذر فيه العديد من الخبراء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى انفجار صراع خطير بين مؤسسات الدولة، وهو ما سيزيد من عزلة النظام داخليًا ويضعف موقفه أمام الرأي العام.

في النهاية، تكشف هذه الأزمة حجم الفجوة بين نظام السيسي وبين مؤسسات الدولة التي تقاوم تغول السلطة. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت الحكومة ستتراجع عن موقفها أو ستمضي قدمًا في هذا الصراع الذي قد يحمل تبعات خطيرة على استقرار البلاد.