تحت شعارات براقة مثل "المظهر الحضاري" و"السيولة المرورية"، بدأت محافظة الجيزة تنفيذ المرحلة الأولى من خطة استبدال التوكتوك بسيارات "فان" صغيرة في أحياء الهرم والعجوزة وحدائق أكتوبر.
هذه الخطوة، التي تبدو في ظاهرها تحديثاً إدارياً، تحمل في طياتها كارثة اجتماعية واقتصادية تضرب شريحة واسعة من الفقراء الذين وجدوا في التوكتوك ملاذاً أخيراً من بطالة طاحنة، لتتحول "المنظومة الجديدة" إلى مقصلة تقطع أرزاقهم لصالح "بيزنس" جديد تديره أذرع السلطة.
https://www.facebook.com/watch/?v=1330953174892885
قطع الأرزاق تحت شعار "التحضر": صناعة البطالة والجوع
في الوقت الذي يعاني فيه المواطن المصري من تآكل قدرته الشرائية وارتفاع جنوني في الأسعار، تأتي قرارات حكومة الانقلاب لتزيد الطين بلة، مستهدفة قطاع النقل العشوائي الذي يستوعب ملايين الشباب العاطلين عن العمل.
حصار الفقراء: منع التوكتوك في المناطق الشعبية والمكتظة مثل الهرم وفيصل وحدائق أكتوبر لا يعني سوى إلقاء آلاف السائقين وأسرهم إلى الشارع، دون توفير بدائل حقيقية ومجانية.
فالشروط الجديدة التي تمنع "صغار السن" وتقنن الترخيص تعني عملياً إقصاء الشريحة الأكبر من العاملين الحاليين الذين لا يملكون مؤهلات أخرى.
الديون كبديل: تروج الحكومة لتوفير "تسهيلات بنكية" لشراء السيارات الجديدة، وهو فخ لاستدراج السائقين من ملكية التوكتوك (رأس مالهم البسيط) إلى دوامة القروض البنكية والديون التي لا تنتهي، مما يحولهم من أصحاب عمل حر إلى "أجراء" لدى البنوك وشركات التمويل.
"سبوبة" الاحتكار: من المستفيد من "كعكة" الإحلال؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لمصلحة من يتم إزاحة التوكتوك الآن؟
الإجابة تكمن في هوية "السيارة البديلة". التقارير تشير إلى الدفع بمركبات مثل "باجاج كيوت" (Bajaj Qute) وسيارات أخرى يتم تجميعها أو استيرادها عبر وكلاء محددين.
بيزنس الكبار: سعر السيارة البديلة يقارب أو يتجاوز الـ 200 ألف جنيه، وهو رقم فلكي مقارنة بدخل سائق التوكتوك. فرض هذا النوع المحدد يعني أن هناك صفقة استيراد أو تجميع ضخمة تم تمريرها لصالح "حيتان" السوق المقربين من السلطة، أو شركات تابعة لجهات سيادية (مثل الإنتاج الحربي أو العربية للتصنيع) التي دخلت بقوة في هذا المجال مؤخراً.
اللون الموحد كعلامة تجارية: تخصيص لون موحد لكل حي ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو تكريس لـ "احتكار" الخطوط، مما يمهد الطريق لشركات خاصة قد تستحوذ على إدارة هذه المنظومة لاحقاً، وتحول السائقين إلى مجرد عاملين باليومية في مشروع استثماري كبير يصب أرباحه في جيوب المستثمرين لا السائقين.
جباية مقنعة.. الدولة تبحث عن "القرش" في جيوب الفقراء
لطالما كان التوكتوك صداعاً في رأس النظام، ليس لأنه يسبب الفوضى فقط، بل لأنه "اقتصاد غير رسمي" يصعب جباية الضرائب منه.
آلة لجني الأموال: المنظومة الجديدة تهدف أساساً إلى حصر كل مركبة لفرض رسوم الترخيص، والتأمين، والمخالفات، والضرائب. فالحكومة التي فشلت في إدارة الاقتصاد المنتج، تلجأ إلى "حلب" القطاعات الهامشية عبر تقنينها بشروط مجحفة.
تسليع الخدمة: تحديد تعريفة ثابتة قد يبدو في مصلحة الراكب، لكنه في ظل ارتفاع أسعار الوقود والصيانة للسيارات الجديدة، سيؤدي حتماً إلى تعريفة أعلى بكثير من التوكتوك، مما يحمل المواطن المطحون أعباء إضافية.
تحديث أم تشريد؟
إن ما يجري في الجيزة ليس خطة لتطوير العشوائيات، بل هو عملية "تطهير طبقي" تهدف إلى إخفاء مظاهر الفقر من الشوارع واستبدالها بمظهر "حضاري" زائف مدفوع الثمن من جيوب الغلابة.
هي صفقة تبدأ ببيع سيارات باهظة الثمن لسائقين معدمين، وتنتهي باحتكار قطاع النقل الداخلي لصالح فئة قليلة من المستفيدين، بينما يُترك آلاف الشباب وقوداً لليأس والجريمة بعد أن قُطعت أرزاقهم بجرّة قلم.

