حمّل رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي الدراما التلفزيونية جانبًا كبيرًا من مسؤولية ارتفاع معدلات الطلاق، وفق ما كتب فريق تحرير العربي الجديد، معتبرًا أن ما وصفه بأنماط الحياة “المترفة والمبالغ فيها” التي تعرضها المسلسلات تخلق فجوة نفسية بين الواقع وما يراه المواطنون على الشاشة. وقال السيسي إن هذه الأعمال لا تُظهر امرأة تكافح إلى جانب زوجها، بل تروّج لصورة بيوت فاخرة وشقق باهظة لا يقدر عليها سوى جزء محدود من المصريين، ما يولّد شعورًا بعدم الرضا تجاه الأسرة والزوج والحياة اليومية.
وأشار الموقع العربي الجديد إلى أن التصريحات جاءت خلال حديث السيسي إلى دفعة جديدة من طلبة أكاديمية الشرطة، حيث حث صنّاع الدراما على تقديم صورة أكثر واقعية للحياة في مصر، تعكس الصبر والعمل والقدرة على التحمّل، بدل تعزيز توقعات غير قابلة للتحقق تُسهم في اهتزاز الاستقرار الأسري.
سردية الدراما والحياة كما ينبغي أن تُرى
جاء خطاب الجنرال محمّلاً بنبرة أخلاقية تُلقي على الشاشة مسؤولية تشكيل وعي اجتماعي متخيّل، إذ يرى أن المشاهد يقارن بيته بما يراه من قصور وشقق فارهة، فينمو الإحباط وتتراجع القناعة. يدعو هذا المنطق إلى إعادة توجيه الفن نحو إبراز الكفاح اليومي والعيش البسيط بوصفهما قيمة إيجابية، لا عجزًا أو فشلًا. لكن هذا التفسير يقفز فوق الأساسيات المادية التي تُرهق الأسر: ارتفاع تكاليف المعيشة، تدني الرواتب، توسّع الفجوة بين الدخل والإنفاق، وتعقّد متطلبات الزواج التي تضخمها الأعراف الاجتماعية وأسعار السكن. تجاهل هذه العوامل يختزل أزمة مركّبة في شماعة ثقافية، بينما الواقع يقول إن الاقتصاد يصوغ العلاقات بحدة لا تقل عن الدراما.
أرقام متباينة ونقاش مفتوح
تكشف البيانات تناقضًا لافتًا. تشير وزيرة التضامن الاجتماعي نيفين القباج إلى أن زواجًا من كل أربعة ينتهي بالطلاق، بزيادة تقارب 83% مقارنة بعام 1996. في المقابل، يناقض وزير العدل عمرو مروان هذا التقدير، معتبرًا أن النسبة لا تتجاوز 3%. يضيف باحثون أسبابًا أخرى لارتفاع الطلاق، منها تغيّر التوقعات لدى النساء، تراجع الوصم الاجتماعي المرتبط بالانفصال، وتحسن الاستقلال المالي، ما يمنح خيارات أوسع لاتخاذ قرارات شخصية دون خوف من وصاية مجتمعية خانقة.
سياسات حكومية ومسارات علاجية
تسعى الحكومة منذ سنوات إلى خفض معدلات الطلاق عبر مسارات وقائية وتدخلات تنظيمية. أطلقت في 2019 برنامجًا لإعداد الشباب للزواج، شارك فيه أساتذة وقادة دينيون لتعليم مهارات حل النزاعات والتواصل. أنشأت كذلك أكثر من 200 مكتب لتسوية المنازعات الزوجية في أنحاء البلاد.
مع ذلك، تبدو المعالجة الرسمية أسيرة خطاب أخلاقي يريح السياسات من مواجهة الواقع الاقتصادي الصارم. ترتفع الأسعار ويضغط التضخم على سلة الاحتياجات الأساسية، وتظل الأجور دون مستوى قادر على مجاراة تكاليف تأسيس بيت وحياة مستقرة، بينما تتضخم تكاليف الزواج من مسكن وتجهيزات ومهور ومراسيم اجتماعية. في هذا السياق، يصبح تعليق الأزمة على صور باذخة في مسلسل خطوة تجميلية لا تمس الجذر.
المشهد إذن أعقد من نص تلفزيوني. الزواج عقد اجتماعي واقتصادي بامتياز، والطلاق مؤشر على تصدّع منظومة تتقاطع فيها الثقافة مع القدرة المعيشية. حين يُعاد توجيه النقاش نحو الاقتصاد الحقيقي، ويتقدّم تحسين الدخل وضبط الأسعار وتيسير السكن على لوم الشاشات، يمكن للسياسات أن تقترب من حلول تُخفّف الضغط عن الأسر وتعيد للروابط معناها الإنساني بعيدًا عن وهم الرفاه المعروض في لقطة ضوء.
https://www.newarab.com/news/egypt-wants-be-middle-easts-nuclear-deal-maker-can-it?amp

