في حلقة جديدة من مسلسل "دهس الغلابة"، قررت هيئة النقل العام بالقاهرة، بتوجيهات مباشرة من حكومة الانقلاب، إلقاء الآلاف من موظفيها البسطاء في المجهول، تحت لافتة براقة خادعة تسمى "التحول الرقمي". فقد أعلنت الهيئة عن خطة خبيثة للتخلص من مهنة "الكمساري" نهائياً، واستبدال البشر بالآلات، بحجة تطبيق منظومة الدفع الإلكتروني، في خطوة تعكس الوجه القبيح لنظام لا يرى في المواطن سوى "عبء" يجب التخلص منه لتقليل النفقات، حتى لو كان الثمن تشريد آلاف الأسر وقطع أرزاقهم.
التكنولوجيا كأداة للقمع الاقتصادي
لم يكن قرار إلغاء وظيفة "المحصل" واستبدالها بماكينات الدفع الإلكتروني في أتوبيسات القاهرة مجرد تحديث إداري كما تروج أبواق النظام، بل هو جريمة اجتماعية مكتملة الأركان. فالحكومة التي فشلت في توفير فرص عمل حقيقية، تتجه الآن لتقليص الوظائف القائمة، مستغلة التكنولوجيا ليس لخدمة المواطن ورفاهيته، بل كأداة لـ"تطفيش" العمالة وتقليص فاتورة الأجور، غير عابئة بمصير آلاف الموظفين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الهيئة.
لقد بدأت الهيئة بالفعل في تركيب "ماكينات الجباية" الجديدة في 300 أتوبيس كمرحلة أولى، تمهيداً لتعميمها على الأسطول بأكمله، في رسالة واضحة بأن "الآلة" عند العسكر أهم وأبقى من الإنسان.
"وظائف بديلة" أم تصفية مقنعة؟
تحت ضغط الغضب العمالي والخوف من انفجار الشارع، حاولت الهيئة الالتفاف على الكارثة بطرح ما أسمته "آليات لإعادة الاستفادة" من المحصلين. لكن التدقيق في هذه الآليات يكشف أنها ليست سوى "فخ" لتصفية العمالة بشكل "شيك".
الخيار المستحيل: وضعت الهيئة المحصلين أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما التحول إلى سائقين، وهو ما يتطلب شروطاً صحية ومهنية قد لا تتوفر في الكثيرين منهم ممن تقدم بهم العمر أو أنهكتهم أمراض المهنة، وإما النقل إلى "وظائف إدارية غامضة" ضمن مجموعة الحركة، وهو غالباً ما يكون "تجميداً وظيفياً" ينتهي بالتسريح أو الإجبار على المعاش المبكر.
إهدار الخبرات: بدلاً من تدريب هؤلاء الموظفين وتأهيلهم ليكونوا جزءاً من المنظومة الجديدة (كمراقبين أو مشرفين)، اختارت الإدارة الحل الأسهل والأقسى: التخلص منهم أو إجبارهم على مهام لا تناسبهم.
"الرقمنة" على جثث الفقراء
يتشدق النظام بأن المنظومة الجديدة ستقضي على "الفكة" وتسهل حياة الركاب، لكنه يتجاهل أن هذه "الفكة" كانت تفتح بيوت آلاف الأسر. إن التحول الرقمي في الدول المحترمة يتم بالتوازي مع برامج حماية اجتماعية وإعادة تأهيل حقيقي، وليس بقرارات فوقية تصدر من مكاتب مكيفة لا تشعر بمعاناة من يقفون على أبواب الأتوبيسات في حر الصيف وبرد الشتاء لتحصيل مليمات بالكاد تسد رمقهم.
إن ما يحدث في هيئة النقل العام هو صورة مصغرة لما يحدث في مصر كلها: بيع للأصول، تشريد للعمالة، وخصخصة للخدمات، وكل ذلك تحت شعارات "الجمهورية الجديدة" التي لم يرَ منها المواطن البسيط سوى الغلاء والبطالة وقطع الأرزاق.
خاتمة: صرخة في وجه الظلم
إن معركة "الكمسارية" ليست معركتهم وحدهم، بل هي معركة كل موظف وعامل في هذا البلد المنهوب. فاليوم "الكمساري"، وغداً موظف الكهرباء والمياه والغاز، فـ"قطار الخصخصة" الذي يقوده الانقلاب لن يتوقف عند محطة واحدة حتى يدهس الجميع.
إننا أمام نظام لا يملك قلباً ليشعر، ولا عقلاً ليفكر، بل يملك فقط "آلة حاسبة" تحسب الأرباح والخسائر، وتعتبر البشر مجرد أرقام زائدة يجب حذفها. لكن هؤلاء "الأرقام" لهم أسر وأطفال وحقوق، ولن يقبلوا أن يُلقى بهم على قارعة الطريق ليرضى صندوق النقد الدولي أو لتوفر الحكومة بضعة ملايين تنفقها لاحقاً في قصور رئاسية أو طائرات فاخرة.

