دخل قطاع الثروة الحيوانية في مصر موجة توتر جديدة مع الارتفاع المفاجئ في أسعار الأعلاف، في لحظة تتداخل فيها الاضطرابات الإقليمية مع هشاشة السوق المحلية واختلال سياسات الاستيراد والرقابة.
ولم يعد المربون يواجهون فقط زيادة عابرة في تكلفة مدخلات الإنتاج، بل يواجهون سوقًا مضطربة تسمح لكبار الموردين بتحريك الأسعار بسرعة أكبر من قدرة الدولة على ضبطها، بينما تنتقل الكلفة في النهاية إلى اللحوم والدواجن واللبن.
تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة لم تبدأ من نقص حقيقي في الخامات وحده، لأن الجهات الرسمية نفسها تحدثت عن توافر كميات كبيرة من الذرة والصويا في الموانئ والمخازن، بما يكفي احتياجات القطاع لفترات ممتدة.
ولذلك بدا الارتفاع الأخير أقرب إلى نتيجة مباشرة للفوضى والاحتكار والتلاعب في الفواتير والتسعير، لا إلى أزمة عرض خالصة، وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية واضحة عن انفلات السوق قبل أن تتحول الأزمة إلى نقص غذائي أوسع.
المداهمات الحكومية كشفت أن المشكلة في السوق نفسها لا في نقص الخامات فقط
ثم تصاعدت الأزمة داخل قطاع الثروة الحيوانية بالتزامن مع الاضطرابات الإقليمية التي ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد، وتسببت في قفزة مفاجئة داخل أسعار الأعلاف بالسوق المحلية.
وقد رصدت الجهات المسؤولة تحركات سعرية وصفتها بأنها غير مبررة في خامات التصنيع الأساسية، وهو ما دفع الأجهزة الرقابية إلى تكثيف التواجد الميداني بدعوى حماية منظومة الغذاء من ممارسات احتكارية ينتهجها بعض كبار الموردين.
كما أطلقت وزارة الزراعة سلسلة من المداهمات الرقابية والمفتشية المفاجئة التي استهدفت مخازن ومصانع إنتاج العليقة في مختلف المحافظات، في محاولة لضبط إيقاع التداول وفرض الالتزام بالقواعد المنظمة.
وأسفرت هذه التحركات عن كشف تجاوزات تتعلق بالتلاعب في القيمة السعرية وإصدار فواتير بيع وهمية لا تعكس الحقيقة، بهدف تعظيم الأرباح على حساب المربين الصغار الذين يملكون هامشًا ضعيفًا لمواجهة الصدمات.
وبعد ذلك، قررت الجهات المعنية إحالة إحدى الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقها، على خلفية ممارسات قالت السلطات إنها تضر بمصالح الدولة العليا.
ويكشف هذا التطور أن الحكومة نفسها باتت تعترف بأن جزءًا من الأزمة لا يرتبط بالظروف الدولية وحدها، بل يرتبط أيضًا بخلل داخلي في آليات التسعير والبيع والتوزيع داخل السوق.
وفي هذا السياق، يؤكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن أي انفلات في أسعار الأعلاف ينعكس فورًا على المربي الصغير، لأن هذا المربي لا يملك قدرة مالية على تخزين الخامات أو انتظار تراجع الأسعار.
وتبرز أهمية هذا التقدير هنا لأن الأزمة لا تصيب الشركات الكبرى بالدرجة نفسها، بينما تدفع صغار المنتجين إلى البيع تحت الضغط أو الخروج من الدورة الإنتاجية بالكامل.
الأسعار القياسية للأعلاف تنقل الأزمة مباشرة إلى اللحوم والدواجن وتضغط على الإنتاج
ثم شددت التقارير الرسمية على توافر كميات ضخمة من خامات الذرة والصويا داخل الموانئ والمخازن، بما يلبي احتياجات القطاع الداجني والحيواني لفترات طويلة من دون مبرر واضح للنقص.
ولذلك اعتبرت الدوائر الحكومية أن لجوء بعض التجار إلى رفع أسعار الأعلاف يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الغذائي، وأنه يستوجب التشدد مع كل من يحاول التخزين أو الامتناع عن البيع بالسعر العادل.
كما أقرت مصانع التصنيع بزيادة رسمية بلغت نحو 500 جنيه في سعر الطن الواحد دفعة واحدة، نتيجة التغيرات التي طرأت على تكلفة تدبير النقد الأجنبي اللازم لعمليات الجلب من الخارج.
وسجلت الإحصائيات وصول سعر الطن إلى مستويات قياسية تراوحت بين 22 ألفًا و800 جنيه وحتى 24 ألفًا و600 جنيه، وفق نسبة البروتين والجودة النهائية للمنتج، وهي الأعلى في تاريخ التداول المحلي.
وبسبب ذلك، لم يعد الحديث عن الأعلاف معزولًا عن أسعار اللحوم والدواجن والبيض، لأن الزيادة في طن العلف تنتقل مباشرة إلى تكلفة التربية والتسمين.
ولهذا تبدو الأرقام الجديدة بمثابة ضغط إضافي على السوق الاستهلاكية نفسها، لا على المصانع والمخازن فقط، خصوصًا في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار البروتين الحيواني أصلًا خلال الشهور الماضية.
وفي هذا المعنى، يقول ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، إن العلف يمثل النسبة الأكبر من تكلفة الإنتاج في القطاعين الداجني والحيواني، ولذلك فإن أي زيادة حادة فيه تنسحب بالضرورة على السعر النهائي.
وتوضح هذه الشهادة أن السوق لا تملك مساحة واسعة لامتصاص القفزة الجديدة، لأن المدخل الأساسي نفسه صار يتحرك عند مستوى قياسي لا يسمح باستقرار سريع.
الرقابة وحدها لا تكفي ما دام الاستيراد والعملة والسياسات الجمركية تعيد إنتاج الأزمة
ثم أوضحت الجهات المختصة أنها تواصل فحص سجلات الواردات والمنصرف من المصانع للتأكد من مطابقة المواصفات الفنية والأسعار المعلنة مع الواقع الفعلي، بهدف منع محاولات الاستغلال.
غير أن هذه الرقابة، رغم ضرورتها، لا تبدو كافية وحدها ما دامت الأسباب الأساسية للاضطراب ما زالت قائمة، وفي مقدمتها تكلفة الشحن والتأمين وتوافر العملة الصعبة وآليات الإفراج عن الخامات.
كما تستوجب الحالة الراهنة، وفق ما تطرحه الدوائر المعنية، مراجعة سياسات الإفراج الجمركي لضمان تدفق مستمر للمواد الخام ومنع تراكمها بما يسمح للمضاربين بالتحكم في مصير الصناعة الوطنية.
ويعني هذا الاعتراف أن جزءًا من الأزمة نشأ من بطء الدورة الإجرائية نفسها، لأن أي تأخير في الإفراج أو التوزيع يمنح كبار التجار فرصة إضافية للضغط على الأسعار.
وبعد ذلك، تراقب الوزارة عن كثب حركة أسعار الأعلاف عالميًا، وتقارنها بالأسعار المطروحة محليًا لسد الثغرات التي ينفذ منها المتلاعبون تحت ستار الظروف الدولية.
غير أن هذا المسار الرقابي لن يمنع وحده حدوث فجوة في المعروض إذا استمر ضعف تدبير النقد الأجنبي أو استمرت السوق في الاعتماد الكثيف على خامات مستوردة تتحرك تحت وقع الحرب والاضطرابات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يوضح عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية، أن السوق لا تحتاج فقط إلى حملات تفتيش، بل تحتاج أيضًا إلى انضباط مستقر في الإفراجات وتدبير العملة وتوزيع الخامات.
وتكتسب هذه الملاحظة قيمتها لأن الرقابة تعالج لحظة المخالفة، بينما تبقى الأزمة قابلة للتجدد ما دامت شروط الاستيراد والتمويل نفسها قادرة على إعادة إشعال السوق في أي وقت.
ثم يجري التنسيق حاليًا مع الأجهزة المعنية لتشديد الرقابة على منافذ التوزيع النهائية لضمان وصول الدعم لمستحقيه من المربين وتجنب حدوث فجوة في المعروض قد تؤدي إلى انهيار منظومة الإنتاج المحلي خلال الأشهر المقبلة.
ويكشف هذا التحرك أن الدولة تدرك حجم الخطر، لكن حجم الخطر نفسه يشير إلى أن الأزمة تجاوزت مرحلة الإنكار وأصبحت تمس استقرار الغذاء في السوق مباشرة.
وأخيرًا، تكشف قفزة الأعلاف الحالية أن قطاع الثروة الحيوانية لا يواجه مجرد موجة غلاء عابرة، بل يواجه اختبارًا قاسيًا لقدرة الدولة على ضبط سوق تعتمد على الاستيراد وتتحرك فيها المصالح الاحتكارية بسرعة أعلى من سرعة الرقابة.
ولهذا فإن استمرار الأسعار عند هذه المستويات، مع بقاء التلاعب والضغط على العملة والإفراجات، يهدد بتحميل المستهلك والمربي معًا فاتورة أزمة لم يصنعها أي منهما، لكنه سيدفع ثمنها كاملًا.

