بينما تنشغل حكومة الانقلاب بتشييد القصور الرئاسية والمدن الجديدة في الصحراء، يعيش الآلاف من جنود الظل الذين يؤمنون شريان الحياة للمصريين واقعاً مريراً من التجاهل والإفقار المتعمد. إنهم عمال شركات مياه الشرب والصرف الصحي، الذين لم يجدوا سبيلاً لانتزاع حقوقهم المنهوبة سوى كسر حاجز الصمت والانتفاض في وجه إدارة لا ترى فيهم سوى أرقام في دفاتر الأرباح، وسلطة لا تعرف من الحكم إلا لغة الجباية والقمع.

 

شرارة الغضب: من القاهرة إلى الصعيد

 

في الثاني عشر من نوفمبر الجاري، لم يكن خروج الآلاف من عمال شركة مياه الشرب في القاهرة مجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل كان إعلان نفاد صبر طويل. انطلقت الشرارة من محطات العاصمة، وسرعان ما تحولت إلى حريق غضب امتد كالعدوى إلى محافظات الجيزة والشرقية وبني سويف والمنيا. في أكثر من 30 موقعاً، من شبكات المياه إلى محطات التحلية وفروع خدمة العملاء، توقف العمل وتعالت الهتافات التي لم تطلب المستحيل، بل طالبت بالحق في الحياة الكريمة.

 

ورغم تعليق الاحتجاجات مؤقتاً في 24 نوفمبر، إلا أن الرسالة كانت واضحة: العمال لن يعودوا إلى بيوتهم خاليي الوفاض هذه المرة. لقد كشفت هذه الانتفاضة عن حجم الاحتقان المكتوم في صدور الطبقة العاملة المصرية، التي باتت تدفع فاتورة الفشل الاقتصادي الباهظة وحدها، بينما ينعم كبار المسؤولين بامتيازات لا تنقطع.
 

 

مطالب مشروعة في مواجهة "مافيا" الإدارة

 

لم يرفع العمال شعارات سياسية، بل رفعوا مطالب تكشف حجم السرقة المقننة التي يتعرضون لها. على رأس هذه المطالب ضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016، أي منذ ما يقرب من عقد من الزمان، وهي حقوق ثابتة تم تجميدها بقرارات إدارية تعسفية. كما طالبوا بوقف مهزلة خصم الضرائب بنسب تتجاوز المستحق قانوناً، في وقت تلهث فيه جيوبهم لتغطية تكاليف المعيشة المتضخمة.

 

القضية الأخطر التي فجرها العمال هي قضية "المؤقتين"، هؤلاء الذين أفنوا سنوات شبابهم في خدمة الشركة بعقود هشة، لا تضمن لهم أدنى درجات الأمان الوظيفي، بينما يتم تعيين "المحاسيب" والمستشارين برواتب فلكية. إن مطالبة العمال بتثبيت هؤلاء المؤقتين ليست مجرد مطلب إداري، بل هي صرخة في وجه نظام يكرس العبودية المقنعة في مؤسسات الدولة.

 

علي عماشة وحاشية المستشارين: الفساد يرتدي بذلة رسمية

 

لم يتردد المحتجون في توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى رؤوس الفساد الإداري، مطالبين بإقالة المستشارين الذين يستنزفون ميزانية الشركة برواتب تصل لمئات الآلاف شهرياً دون عمل حقيقي، في حين يُحرم العامل البسيط من بضعة جنيهات كبدل مخاطر. وفي مقدمة هؤلاء المطلوب رحيلهم، نائب رئيس مجلس الإدارة للشؤون المالية والإدارية، علي عماشة، الذي تحول في نظر العمال إلى رمز للتعنت والغطرسة الإدارية، والعدو الأول لمطالبهم المشروعة.

 

هتافات العمال "يا رقابة يا إدارية.. شركتنا فيها حرامية" لم تكن مجرد شعار، بل بلاغاً علنياً ضد طبقة من البيروقراطيين الفاسدين الذين يتحصنون بمناصبهم لنهب عرق العمال، معتمدين على حماية نظام لا يحاسب إلا الضعفاء.

 

غياب الدولة وتواطؤ النقابة

 

في مشهد مكرر، غابت وزارة العمل تماماً عن الأزمة، وكأنها وزارة في دولة أخرى، لم تصدر بياناً ولم تتدخل لإنصاف العمال، تاركة إياهم فريسة لتهديدات الإدارة. أما النقابة، التي يفترض أن تكون صوت العمال، فقد اختارت الاصطفاف في خندق الإدارة، متخلية عن دورها التاريخي ومؤكدة أنها تحولت إلى مجرد ديكور في مسرحية هزلية.

 

إن محاولة الشركة القابضة الالتفاف على المطالب بإصدار حزمة قرارات "تحفيزية" واهية، لم تنجح في خداع العمال الذين أدركوا أن هذه "المسكنات" لا تعالج جرحاً نازفاً. فالقضية ليست "حوافز" تمنح وتمنع بمزاج المسؤول، بل حقوق قانونية مهدرة في ظل ازدواجية معايير فجة تطبق قانونين للأجور (الخدمة المدنية وقانون العمل) بما يخدم مصلحة الإدارة فقط وينتقص من حقوق العامل.

 

ختاماً، إن انتفاضة عمال مياه الشرب هي جرس إنذار مدوٍ في أذن نظام يعتقد أن القبضة الأمنية وحدها قادرة على قمع الجوع. وإذا كانت الاحتجاجات قد علقت اليوم، فإن جذوة الغضب لا تزال مشتعلة تحت الرماد، تنذر بانفجار أكبر قد لا يقتصر على قطاع المياه، بل قد يشعل فتيل غضب عمالي شامل في كافة قطاعات الدولة المنهارة.