في مفارقة صارخة تكشف عمق الأزمة التي يعيشها المواطن المصري، كشف تقرير حديث لمنصة «ستاتيستا» العالمية عن أرقام صادمة لسوق المياه المعبأة في مصر لعام 2025. فبينما تعاني الأسر من ضغوط اقتصادية طاحنة، اضطر المصريون لإنفاق 1.27 مليار دولار (ما يقارب 60 مليار جنيه) على شراء المياه المعبأة، بزيادة 18% عن العام السابق. هذا الإنفاق ليس رفاهية، بل هو ضريبة باهظة يدفعها المواطن هرباً من "كوكتيل الأمراض" الذي يتدفق من صنابير الحكومة، في ظل تهالك البنية التحتية واختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي.

 

استهلاك "الخوف": 4.9 مليار لتر سنوياً

 

التقرير أشار إلى أن استهلاك المصريين وصل إلى 4.9 مليار لتر سنوياً، بمتوسط 46 لتراً للفرد، وهو رقم يعكس حالة "انعدام الثقة" الكاملة في المياه الحكومية. ومع ارتفاع سعر اللتر إلى 0.26 دولار (12.5 جنيه)، أصبح الحصول على كوب ماء نظيف عبئاً إضافياً يلتهم ميزانية الأسر، خاصة الطبقة المتوسطة التي تآكلت مدخراتها، لكنها لا تزال تحاول حماية أطفالها من الفشل الكلوي وأمراض الكبد.

 

اختلاط مياه الشرب بالمجاري: الجريمة المسكوت عنها

 

أخطر ما في المشهد هو ما يهمس به خبراء البيئة ويصرخ به المواطنون في القرى والعشوائيات: اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي. الشبكات المتهالكة التي لم تشهد إحلالاً حقيقياً منذ عقود، سمحت بتسرب مياه المجاري إلى مواسير الشرب في مناطق واسعة، خاصة في الدلتا والصعيد.

 

هذه "الجريمة الصحية" تجعل من المياه الحكومية سماً بطيئاً، حيث ترتفع فيها نسب الأمونيا والبكتيريا القولونية ومسببات التيفود. وبدلاً من معالجة الكارثة، تنشغل حكومة الانقلاب بمشاريع "الواجهة" في العاصمة الإدارية، تاركة شبكات المياه في المحافظات لتتحلل وتختلط بالمجاري، مما أجبر المواطن على اللجوء للزجاجة البلاستيكية كطوق نجاة وحيد.

 

تدهور الجودة: "الصدأ" يغزو الأكواب

 

ولا يقف الأمر عند التلوث البيولوجي، بل يمتد إلى التلوث الكيميائي والفيزيائي. فمواسير الأسبستوس والحديد القديمة تآكلت بفعل الزمن، ما أدى إلى ارتفاع نسب الحديد والمنجنيز والصدأ في المياه، وهو ما يلاحظه المواطنون بوضوح في تغير لون وطعم المياه.

 

هذا التدهور المريع في جودة مياه الشرب هو المحرك الرئيسي لنمو سوق المياه المعبأة، حيث يهرب الناس من "المياه الصفراء" التي تخرج من الحنفيات. ورغم الوعود الحكومية المتكررة بـ"حياة كريمة"، إلا أن أبسط حقوق الإنسان وهو "كوب ماء نظيف" لا يزال حلماً بعيد المنال لملايين المصريين.

 

توقعات 2030: استمرار "البيزنس" على حساب صحة المواطن

 

تشير توقعات «ستاتيستا» إلى أن سوق المياه المعبأة سيقفز إلى 1.95 مليار دولار بحلول 2030، مع استهلاك يتجاوز 7.2 مليار لتر. هذه الأرقام هي شهادة فشل مسبقة لخطط الحكومة في تحسين جودة المياه. فالنمو المتوقع للسوق يعني ببساطة أن "الأزمة مستمرة" وأن الدولة قد رفعت يدها فعلياً عن توفير مياه شرب آمنة، وتركت الساحة لشركات المياه المعبأة (مثل نستله وبيبسي وجهينة) لتجني الأرباح من جيوب المواطنين الخائفين.

 

الخلاصة: الزجاجة البلاستيكية.. "رفيق إجباري"

 

كما يؤكد الخبير الاقتصادي وليد عادل، فإن المياه المعبأة تحولت من "رفاهية" إلى "ضرورة قسرية". لقد نجح النظام في خصخصة "مياه الشرب" فعلياً دون إعلان رسمي، عبر ترك الشبكات تنهار ودفع الناس للشراء. والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى سيظل المواطن المصري يدفع ثمن فشل حكومته من صحته وماله؟ وهل أصبحت "الزجاجة البلاستيكية" هي البديل الوحيد في جمهورية "المياه الملوثة"؟