تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن صورة قاتمة لمستقبل الأسرة المصرية في ظل حكم الانقلاب؛ إذ تراجعت عقود الزواج إلى 936,739 عقدًا عام 2024 مقابل 961,220 في 2023، بانخفاض 2.5%. في المقابل قفزت حالات الطلاق إلى 273,892 حالة مقابل 265,606 حالة في 2023، بزيادة 3.1%، بما يعني أن كل عام جديد يشهد عددًا أقل من بدايات الأسر وعددًا أكبر من نهاياتها في المحاكم. هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عن سياسات اقتصادية واجتماعية قاسية حوّلت تكوين بيت واستمرار زواج مستقر إلى رفاهية خارج متناول ملايين المصريين.
خبراء: أزمة بنيوية صنعتها السياسات لا «أخطاء فردية»
يرى الباحث في الاقتصاد السياسي وائل جمال، استنادًا إلى تحليلاته المنشورة عن الديون والخصخصة، أن سياسات ما بعد 2013 – من تضخم دور المؤسسة العسكرية اقتصاديًا، والارتهان لصندوق النقد، وتصفية الأصول العامة لسد خدمة الدين – عمّقت الفقر وعدم الاستقرار وجعلت قرار الزواج نفسه مغامرة عالية المخاطر ماليًا.
وتلفت الطبيبة النفسية والكاتبة بسمة عبد العزيز، في قراءاتها لعلاقة الفرد بالسلطة، إلى أن السلطة القمعية تنتج مواطنًا «مفعولًا به» يعيش تحت سلم قهر هرمي، ما ينعكس في النهاية في علاقات القوة داخل الأسرة وزيادة العنف والتفكك. أما عالم الاجتماع السياسي عمار علي حسن، المعروف بكتاباته عن الاستبداد وبنية المجتمع، فيحذّر من أن استمرار الحكم الأمني يغتال المجال العام، ويقوّض شبكات الثقة والتضامن، ويدفع الأفراد إلى الانكماش داخل أسر منهكة سرعان ما تنفجر تحت الضغط.
اقتصاد الانقلاب يهشم قرار الزواج
تبيّن النشرة الرسمية أن التراجع في عقود الزواج أكبر في الريف، حيث انخفضت عقود الزواج الريفية بأكثر من المعدل العام، بينما شهدت بعض مناطق الحضر زيادات محدودة، مع تراجع المعدل الخام للزواج إلى نحو 8.8 زواج لكل ألف من السكان عام 2024. هذا التفاوت يعكس، بحسب وائل جمال، أن الفئات الأفقر والأقل قدرة على امتصاص الصدمات هي الأكثر انسحاقًا تحت موجات التعويم ورفع الدعم وتغوّل الديون، بينما تُدار السياسات على مقاس أقلية مستفيدة من الخصخصة وبيع أصول الدولة.
ويشير جمال في تحليلاته إلى أن اتجاه السلطة لسد عجزها وديونها عبر بيع شركات وأصول رابحة، يخلق اقتصادًا ريعيًا هشًّا لا ينتج فرص عمل محترمة، بل يراكم ثروات في قمة الهرم ويترك القاعدة في مزيج من البطالة والعمل الهش، ما يجعل تأسيس بيت جديد عبئًا ماليًا شبه مستحيل لشباب الطبقة الوسطى والدنيا. في هذا السياق يصبح الانخفاض في الزواج ليس «قرارًا ثقافيًا» بل نتيجة مباشرة لسياسات تقررها نفس النخبة الحاكمة التي تغلق السياسة وتحتكر الثروة.
علم الاجتماع: تفكك أسري تحت ضغط الغلاء والقيم المشوّهة
من زاوية اجتماعية، تشرح أستاذة علم الاجتماع عزة فتحي، في مداخلاتها عن أسباب ارتفاع الطلاق، أن الضغوط الاقتصادية وتغيّر أدوار النوع الاجتماعي و«ندية» الإنفاق بين الزوجين، مع غياب ثقافة إدارة الخلاف، تدفع كثيرًا من الزيجات إلى الانهيار خلال السنوات الأولى. وتؤكد الباحثة الاجتماعية هند فؤاد أن تسارع وتيرة الطلاق المبكر مرتبط بتغلّب الماديات على منظومة القيم التقليدية، وسيطرة منطق الاستهلاك والمظاهر، في حين تعجز الدولة عن توفير بيئة اقتصادية وخدمية تدعم الأسر الشابة.
هذه التحليلات تتقاطع مع بيانات رسمية تظهر أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق تقع خلال أول خمس سنوات من الزواج، وأن معدلات الانفصال ترتفع في المناطق التي ترتفع فيها تكاليف المعيشة والسكن مقارنة بالدخل المتاح. وهكذا يتداخل الغلاء، وثقافة اجتماعية مشوّهة، مع غياب سياسات جادة لدعم الإسكان والعمل والخدمات، ليصبح بيت الزوجية ساحة ضغط بدل أن يكون مساحة أمان.
القمع النفسي والسياسي ينعكس داخل الجدران
تشدد بسمة عبد العزيز، في حواراتها عن القهر والسلطة، على أن نظام السيطرة القمعية لا يتوقف عند أبواب السجون وأقسام الشرطة، بل يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويُعاد إنتاجه داخل الأسرة بين «قوي» و«ضعيف». المواطن الذي يُربَّى على الطاعة العمياء والتقبّل القهري لما تقرره السلطة، يصبح أكثر قابلية لاستخدام نفس منطق القهر في علاقته بشريكته وأبنائه، خاصة مع غياب آليات ديمقراطية للتنفيس عن الغضب في المجال العام.
ويرى عمار علي حسن أن تجريف السياسة والإعلام والنقابات، وتحويل المواطنين إلى أفراد معزولين يخافون من التعبير عن معاناتهم، يدفع الصراعات إلى الداخل؛ فيختنق البيت بكل التوتر الذي كان يجب أن يذهب إلى ساحات النقاش والاحتجاج والمؤسسات المنتخبة. في هذه الأجواء، يصبح الطلاق – رغم كلفته – أحيانًا المخرج الوحيد من دائرة عنف صامت ومرئي تُغذّيه سلطة لا ترى في المواطن إلا رقمًا يمكن تحميله مزيدًا من الأعباء.
من أرقام الإحصاء إلى إدانة سياسية مباشرة
محاولة حكومة الانقلاب اختزال الأزمة في «أخطاء شخصية» أو «سوء اختيار الزوجين» تتجاهل عن عمد أن الدولة نفسها من وضعت الشروط المستحيلة لتكوين أسرة والعيش بكرامة. الأرقام الرسمية التي تتباهى بها السلطة حين تخدم روايتها، تتحول اليوم إلى دليل إدانة عليها: زواج أقل، طلاق أكثر، فقر ممتد، وديون متصاعدة، مع إنفاق مفرط على مشروعات رأسمالية واستعراضات عمرانية لا يشعر المواطن العادي بثمارها.
ومع تحذيرات خبراء الاقتصاد والاجتماع والطب النفسي من أن استمرار هذا المسار يعني مزيدًا من تفكك الروابط الأسرية واتساع الفجوة الطبقية وتفاقم العنف، يصبح من الواضح أن إنقاذ الأسرة المصرية لن يتحقق بخطبة جمعة أو حملة إعلانية، بل بتغيير جذري في بنية الحكم والسياسات التي حوّلت الزواج إلى ترفٍ والطلاق إلى مخرج اجتماعي قاسٍ من جحيم صنعته السلطة.

