أشعلت خطبة للشيخ يوسف مخارزة، بثّتها قناة «الواقية» وتداولتها حسابات نشطاء على منصات التواصل، موجة واسعة من الجدل بعد اتهامه عبد الفتاح السيسي بـ«تبديل الدين» وتبنّي خطاب يقدّم المسلمين للعالم كقنبلة موقوتة تهدد البشرية.

 

يذهب مخارزة في خطبته إلى أبعد من مجرّد انتقاد سياسي، إذ يتهم السيسي بالاصطفاف مع رواية الغرب عن «الخطر الإسلامي»، وتحميل الأمة الإسلامية مسؤولية العنف بدل تحميلها للاحتلال والتحالفات الدولية المعادية. ويحوّل الشيخ خطابه إلى منصة تعبئة سياسية، مستندًا إلى مقاطع سابقة لرأس النظام المصري حول «تجديد الخطاب الديني» و«الثورة الدينية»، ليقدّمها كدليل على مشروع متكامل لإعادة كتابة علاقة الدولة بالدين على مقاس القوى الغربية.
 

 

مضمون الخطبة: السيسي يتهم المسلمين أمام العالم

 

بحسب الوصف المرافق للمقطع المنشور على صفحة قناة «الواقية»، يشرح الشيخ يوسف مخارزة أن السيسي، بدلاً من أن يتصدّر للدفاع عن دين الأغلبية في مصر، يتبنّى خطابًا يشيطن المسلمين ويصوّرهم كخطر كوني قد يقتل «العالم كله» ولا يترك أحدًا، على حدّ تعبير الخطبة. ويرى الشيخ أن هذا الخطاب لا يميّز بين مجرم وبريء، بل يقدّم المسلمين في صورتهم الجمعية كقتلة محتملين، بما يرضي مخاوف العواصم الغربية ويمنحها مبررًا أخلاقيًا لمواصلة سياسات التدخل والهيمنة في المنطقة. وفي سياق الخطبة، يصف مخارزة هذه المقاربة بأنها «تبديل للدين»، ليس بمعنى تغيير النصوص المقدسة، بل بمعنى إعادة تشكيل صورة الإسلام في الوعي العام كي يصبح دينًا معتذرًا وخاضعًا، يقبل الاتهام بدل أن يدافع عن نفسه وأمته.

 

تجديد الخطاب الديني أم إعادة تعريف الإسلام؟

 

يربط الشيخ بين كلامه الحالي وخطب سابقة انتقد فيها ما يصفه بحملة رسمية منظمة تحت لافتة «تجديد الخطاب الديني» و«الثورة الدينية»، وهي العبارات التي كررها السيسي في مؤتمرات رسمية وأمام قيادات دينية للمطالبة بتغيير مناهج ونصوص يعتبرها متشددة أو معادية للعالم. في القراءة الرسمية، تبدو هذه الدعوة استجابة لمطالب «مكافحة التطرف» وإعادة تقديم خطاب ديني أكثر «اعتدالاً» و«عقلانية»، لكن مخارزة يقدّم رؤية مناقضة تمامًا، إذ يعتبر أن جوهر المشروع هو استبدال معجم الجهاد والكرامة والعدل بمنطق الطاعة المطلقة وشرعنة الأمر الواقع. وفق هذا الفهم، لا يدور النقاش حول كيفية تنقية التراث أو تطوير أدوات الاجتهاد، بل حول من يملك حق تعريف الإسلام نفسه: هل هم علماء الأمة وأهلها أم الأجهزة الأمنية التي تكتب نصوص الخطب الموحدة وتتحكم في منابر المساجد؟

 

منبر المسجد في مواجهة سردية «الخطر الإسلامي»

 

في الخطبة، يضع الشيخ كلام السيسي ضمن سياق أوسع لصناعة رواية عالمية عن الإسلام كتهديد وجودي، وهي الرواية التي تبرّر الحروب والاحتلالات والعقوبات والتدخلات العسكرية تحت عنوان «الحرب على الإرهاب». يشدد مخارزة على أن تحميل الإسلام نفسه مسؤولية عنف جماعات منحرفة، مع تجاهل جذور الظلم السياسي والاستعمار والاحتلال، يعني عمليًا إعفاء المنظومة الدولية من جرائمها وتحويل الضحية إلى متهم دائم. بهذا المعنى، يصبح السيسي – في رؤية الشيخ – جزءًا من جوقة رسمية عالمية تكرّر أن «المشكلة في الدين» لا في سياسات النهب والتجزئة والقهر التي مورست على شعوب المنطقة منذ عقود.

 

الربط بين مصر وغزة وباكستان والجزائر

 

لا تقف الخطبة عند حدود مصر، بل تمتد لتربط بين موقف السيسي ومواقف أنظمة أخرى في دول مثل باكستان والجزائر، مرورًا بدور عواصم عربية وإسلامية في حصار غزة والتضييق على المقاومة. يقدّم مخارزة هذه الأنظمة كحلقة واحدة في سلسلة حكام يتخلّون عن قضايا الأمة، ثم يبرّرون هذا التخلّي بخطاب ديني «معدّل» يحمّل المسلمين أنفسهم مسؤولية ما يتعرضون له من قتل وتهجير وحصار. وفي هذا الإطار، يستحضر الشيخ مأساة غزة كأبرز مثال معاصر على «خذلان» من يملكون المعابر والسلاح والإعلام، بينما يوجّهون الاتهام للمحاصَرين بدل أن يواجهوا العدو الذي يقتلهم.

 

السيسي بين اتهام الداخل واسترضاء الخارج

 

من منظور الخطبة، لا ينفصل خطاب السيسي عن موقعه السياسي كحاكم يعتمد على شرعية خارجية أكثر مما يعتمد على تفويض شعبي حقيقي. فإظهار نفسه أمام الغرب باعتباره «الزعيم الذي يجرؤ على نقد التراث الإسلامي» و«يواجه التطرف من داخل الدين» يمنحه أوراق اعتماد إضافية لدى العواصم التي تبحث عن شركاء محليين لتنفيذ سياساتها الأمنية. في المقابل، يدفع ثمن هذا التموضع تشويه صورة المسلمين في الداخل والخارج، وتكريس شعور مهين لدى قطاعات واسعة من الأمة بأن دينها بات مادة اتهام أمام المنابر الدولية، بينما تُحجب أي إشارة لجرائم الاحتلال أو الأنظمة العميلة.