في خطوة جديدة تؤكد أن الدولة المصرية باتت تدار كـ "عزبة خاصة" للمؤسسة العسكرية، وافق مجلس الشيوخ -الذي لا يعدو كونه ديكوراً سياسياً لتمرير قرارات النظام- على تعديلات قانون الضريبة العقارية.

 

هذه التعديلات التي سوقت لها أذرع النظام الإعلامية باعتبارها "انحيازاً للمواطن" عبر رفع حد الإعفاء للوحدات السكنية الخاصة إلى 100 ألف جنيه سنوياً، تخفي في طياتها الكارثة الأكبر والهدف الحقيقي للقانون: تقنين وتحصين الإعفاءات الضريبية الشاملة والدائمة لكافة ممتلكات القوات المسلحة، بما فيها الأنشطة التجارية والاستثمارية البحتة التي تدر المليارات ولا تصب في موازنة الدولة بمليم واحد.

 

يأتي هذا في وقت يئن فيه الاقتصاد المصري تحت وطأة ديون غير مسبوقة، ويطالب فيه المواطن بدفع فواتير فشل حكومة الانقلاب من دمه وقوت يومه، بينما يظل "اقتصاد الجيش" دولة فوق الدولة، وفوق القانون، وفوق المحاسبة.

 

مسمار أخير في نعش مناخ الاستثمار والمنافسة العادلة

 

يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن ما يحدث هو تدمير ممنهج لما تبقى من فرص لجذب الاستثمار الأجنبي أو حتى الحفاظ على الاستثمار المحلي.

 

ففي الوقت الذي تعاني فيه الأسواق من الركود، يأتي هذا القانون ليرسخ مبدأ "انعدام العدالة التنافسية".

 

ويشير توفيق في تحليله للمشهد الاقتصادي القاتم إلى أن استمرار إعفاء المنشآت الاقتصادية التابعة للجيش -التي تعمل في الفندقة، والإنشاءات، والصناعات الغذائية، وحتى محطات الوقود- من الضريبة العقارية وغيرها من الرسوم، يجعل من المستحيل على القطاع الخاص منافستها.

 

ويؤكد توفيق أن المستثمر الخاص يدفع ضرائب عقارية، وضرائب دخل، وقيمة مضافة، وجمارك، بينما الكيان المنافس له (الجيش) معفى من كل ذلك بقرار سيادي، ومحمي بقوة القانون الجديد.

 

هذا الوضع الشاذ لا يوجد في أي اقتصاد حر في العالم، وهو السبب الرئيسي وراء هروب رؤوس الأموال.

 

فالحكومة بهذه التعديلات تقول صراحة للقطاع الخاص: "لا مكان لكم هنا إلا كخَدَم في مشاريعنا". إن رفع حد الإعفاء للمواطن بضعة آلاف من الجنيهات ليس إلا محاولة بائسة للتغطية على الجريمة الاقتصادية الكبرى المتمثلة في تجفيف منابع إيرادات الدولة لصالح تضخم ثروات المؤسسة العسكرية، وهو ما يعمق الأزمة الاقتصادية بدلاً من حلها.

 

خرق دستوري وإهدار للموارد السيادية للدولة

 

من جانبه، يشن الدكتور عبدالمطلب عبدالنبي، الخبير الاقتصادي المعروف، هجوماً لاذعاً على فلسفة التشريع في ظل حكم العسكر، معتبراً أن إقرار إعفاءات دائمة لمنشآت تهدف للربح المادي تحت لافتة "الأمن القومي" هو تضليل صريح وخرق لمبادئ الدستور التي تنص على المساواة في الأعباء العامة.

 

ويتساءل عبدالنبي: "كيف يمكن اعتبار فندق سياحي فاخر أو نادٍ اجتماعي يبيع العضويات بمئات الآلاف، أو مصنع للمكرونة والصلصة، منشآت للأمن القومي تستحق الإعفاء الضريبي؟".

 

ويوضح عبدالنبي أن هذه السياسات هي السبب المباشر في العجز المزمن للموازنة العامة. فبدلاً من أن تقوم الحكومة بضم هذه الاقتصاديات الموازية الضخمة إلى وعاء الدولة الضريبي لسد الفجوة التمويلية وتقليل الاستدانة، تقوم بتقنين تهربها من الضرائب.

 

ويحذر من أن تمرير مثل هذه القوانين يرسخ لطبقية اقتصادية مقيتة، حيث يتحمل المواطن البسيط والطبقة المتوسطة المتآكلة فاتورة الإنفاق العام والديون، بينما تتمتع نخبة العسكر وحاشية النظام بكل الامتيازات والأرباح الصافية.

 

إن الدولة المصرية، بحسب رأيه، تفقد مليارات الجنيهات سنوياً بسبب هذه الإعفاءات، وهي أموال كانت كفيلة بتحسين خدمات الصحة والتعليم المتهالكة، لكنها تذهب لزيادة نفوذ "بيزنس الجيش" الذي يبتلع الأخضر واليابس.

 

تكريس للجبايات على الفقراء وحماية لثروات الجنرالات

 

وتختتم الدكتورة عالية المهدي، العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، المشهد بتحليل اجتماعي واقتصادي يركز على اتساع الهوة بين المواطن والسلطة.

 

ترى المهدي أن التعديلات الأخيرة هي دليل إدانة جديد ضد حكومة الانقلاب التي لا تملك أي رؤية للخروج من الأزمة سوى "الجباية" من جيوب المواطنين وحماية امتيازات الجنرالات.

 

وتصف المهدي رفع حد الإعفاء السكني بأنه "ذر للرماد في العيون"، مؤكدة أن القيمة الحقيقية لهذا الإعفاء تآكلت تماماً بفعل التضخم وانهيار قيمة العملة المحلية.

 

وتضيف المهدي أن الخطورة تكمن في الرسالة التي يرسلها هذا القانون للمجتمع: "الدولة ليست للجميع".

 

فعندما يرى المواطن أن بيته الصغير مهدد بالضريبة إذا تجاوز حداً معيناً، بينما يرى القصور والفنادق والمولات التابعة للجيش معفاة تماماً، فإن هذا يضرب مبدأ المواطنة في مقتل.

 

وتشدد على أن الاقتصاد المصري لن يتعافى طالما ظلت هناك "ميزانية سرية" و"اقتصاد سري" لا يخضع لرقابة البرلمان أو الجهاز المركزي للمحاسبات، ولا يدفع مليمًا للضرائب.

 

إن ما يحدث هو عملية نقل للثروة من جيوب الشعب إلى خزائن مؤسسة واحدة، وهو ما ينذر بانفجار مجتمعي إذا استمر الضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة لتمويل رفاهية النظام العسكري ومشروعاته الفنكوشية التي لا طائل من ورائها سوى الاستعراض السياسي.

 

إن هذا التواطؤ من مجلس الشيوخ، ومن خلفه مجلس النواب المتوقع موافقته، يضع مصر أمام حقيقة واحدة: نحن أمام نظام لا يرى في مصر وطناً، بل غنيمة يتقاسمها الجنرالات، بينما يتركون للشعب الفتات والديون والضرائب.