أعاد تعليق الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد الجدل حول مصداقية دعوات الحكومة للاستماع إلى النقد «الموضوعي»، بعدما سخر بوضوح من مطالبة مصطفى مدبولي رئيس وزراء السيسي ما يُسمّى «الصفوة الإعلامية» بانتقاد الحكومة بناءً على الحقائق الكاملة.
سؤال فؤاد جاء مباشرًا وصادمًا: ماذا عن الذين يملكون المعلومة الكاملة فعلًا، ويقدّمون مقترحات مدروسة، ثم لا تُنفَّذ؟
لسؤال لم يكن عابرًا، بل كشف فجوة مزمنة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الشفافية، والواقع الذي يُدار فيه النقد بوصفه عبئًا لا فرصة إصلاح.
طب و بالنسبة للي بينتقد و معاه المعلومة الكاملة ويدي مقترحات و لا تُنفذ نعمل فيه ايه؟ https://t.co/3O7yzsU02C
— Mohamed A. Fouad (@MAFouad) January 6, 2026
نقد مسموح به شكليًا ومرفوض فعليًا
منذ سنوات، ترفع الحكومة شعارات «الاستماع للنقد» و«فتح المجال للإعلام»، لكنها في الواقع تضع شروطًا غير معلنة تجعل هذا النقد بلا أنياب.
المطلوب ليس نقدًا حقيقيًا يكشف الخلل ويقترح بدائل، بل نقدًا محسوبًا لا يقترب من جوهر السياسات، ولا يحمّل صانع القرار مسؤولية النتائج.
هنا تحديدًا يأتي تعليق د. محمد فؤاد ليضع الإصبع على الجرح: ماذا تفعل الحكومة بمن التزم بهذه الشروط كاملة، وقدّم أرقامًا وتحليلات، ثم وجد الأبواب موصدة؟
التجربة المتكررة لخبراء اقتصاديين وباحثين تشير إلى أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في غياب الإرادة السياسية.
الحكومة لا تعاني من فقر الأفكار، بل من فائض التجاهل.
تقارير تُكتب، ومقترحات تُعرض، وتحذيرات تُطلق، ثم تُركن على الرف، بينما تستمر السياسات ذاتها التي أنتجت الأزمات: تضخم متصاعد، ديون متراكمة، وتراجع في مستوى المعيشة.
ازدواجية الخطاب بين الإعلام والواقع
دعوة رئيس الوزراء للإعلاميين بانتقاد الحكومة «بالحقيقة» تكشف تناقضًا صارخًا.
فالحقيقة، عندما تُقال كاملة، تصبح غير مرغوبة.
الإعلام المقبول هو الذي يجمّل، يبرر، أو يحمّل الظروف الخارجية المسؤولية.
أما الإعلام الذي يربط القرار بنتيجته، ويضع الأرقام أمام الرأي العام، فيُنظر إليه باعتباره مصدر إزعاج.
الأخطر أن هذه الازدواجية لا تضر بصورة الحكومة فقط، بل تُفرغ مفهوم النقد من مضمونه.
حين يرى المواطن أن الخبراء يتحدثون ولا يُستجاب لهم، يفقد الثقة في جدوى النقاش العام كله.
وحين يُدرك الإعلامي أن السقف منخفض مهما قيل عن «الحرية»، يتحول إلى ناقل بيانات رسمية لا مراقبًا للسلطة.
بهذا المعنى، فإن تعليق فؤاد لم يكن هجومًا شخصيًا، بل تشخيصًا لحالة عامة من الإنكار المؤسسي.
ثمن تجاهل الخبراء يدفعه المواطن
التعامل مع النقد باعتباره تهديدًا، لا أداة تصحيح، له كلفة باهظة.
هذه الكلفة لا يدفعها المسؤول، بل المواطن العادي. كل سياسة اقتصادية تُنفَّذ دون مراجعة جادة، وكل تحذير يُهمل، يتحول لاحقًا إلى عبء جديد: ارتفاع أسعار، تآكل دخول، واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
ما قاله د. محمد فؤاد يختصر هذه المعضلة: المشكلة ليست في غياب النقد، بل في غياب الاستجابة.
حكومة تطلب «الحقيقة الكاملة» ثم تدير ظهرها لمن يقولها، إنما تطلب شهادة زور مُهذبة.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من منصة إعلامية ولا من تصريح رسمي، بل من قرار شجاع بالاعتراف بالأخطاء، ومحاسبة من تسبب فيها، وتنفيذ ما يقدمه أهل الخبرة دون انتقاء أو تسييس.
في النهاية، يبقى السؤال الذي طرحه فؤاد معلقًا بلا إجابة: إذا كان النقد بالمعلومة الكاملة غير مُرحّب به عمليًا، فما الذي تريده الحكومة فعلًا؟ الصمت؟ التطبيل؟ أم انتظار أزمة جديدة لتكرار الخطاب نفسه؟
الإجابة، كما يرى كثيرون، لم تعد تحتاج إلى تصريح رسمي، لأن الواقع وحده يتكفل بكشفها.

