لم تعد أزمات المستشفيات الحكومية في مصر أخبارًا عابرة، بل تحولت إلى نمط متكرر يجمع بين الإهمال، والأخطاء الطبية، والنقص الحاد في الأطباء والمستلزمات، وصولًا إلى أخطر المراحل: سرقة الأدوية وبيعها في السوق السوداء.
أحدث هذه الوقائع ما جرى داخل مستشفى التأمين الصحي بحلوان، حيث كشفت التحقيقات عن عجز غير مبرر في أدوية حيوية مرتفعة الثمن، على رأسها أدوية السرطان والأمراض المزمنة، في واقعة هزّت المرضى وأعادت طرح سؤال قديم: من يحمي الدواء العام في مستشفيات تُترك بلا رقابة حقيقية؟
سرقة من الداخل.. حين يتحول الأمن إلى متهم
بدأت خيوط القضية مع تزايد شكاوى مرضى الأمراض المزمنة من اختفاء أدويتهم بشكل متكرر، رغم إدراجها رسميًا ضمن مخزون المستشفى. وبحسب ما تبيّن لإدارة الصيدلية، فإن العجز لم يكن عارضًا أو ناتجًا عن سوء توزيع، بل تكرر بنمط يثير الشبهات، ما دفع الإدارة إلى تحرير بلاغ رسمي.
مراجعة كاميرات المراقبة كشفت تحركات مريبة لعناصر من أفراد أمن المستشفى في أوقات غير معتادة داخل محيط الصيدلية والمخازن. التحقيقات أظهرت أن المتهمين استغلوا طبيعة عملهم، وقاموا باصطناع مفاتيح خاصة للصيدلية، ما مكّنهم من الدخول دون كسر أو عنف، وتنفيذ السرقات بهدوء وعلى مراحل.
اللافت أن الجريمة لم تكن عشوائية، بل جرت وفق أسلوب منظم، حيث يتم الاستيلاء على كميات محددة في كل مرة، ثم تهريبها تدريجيًا خارج المستشفى، لضمان استمرار النشاط لأطول فترة ممكنة دون اكتشافه. هذا النمط يعكس خللًا أمنيًا وإداريًا جسيمًا، لا يمكن فصله عن غياب الرقابة الفعلية داخل المستشفيات الحكومية.
السوق السوداء.. تجارة بأوجاع المرضى
التحقيقات أكدت أن الأدوية المسروقة، خصوصًا أدوية السرطان، جرى بيعها عبر قنوات غير مشروعة خارج المستشفى، مستغلين الطلب المرتفع وندرة هذه الأصناف لدى المرضى. وبحسب تقديرات الجهات المختصة، فإن قيمة الأدوية المستولى عليها تصل إلى ملايين الجنيهات، ما يجعل القضية اعتداءً صريحًا على المال العام وحق المرضى في العلاج.
في هذا السياق، قال د. أسامة عبد الحي، الأمين العام لنقابة الأطباء، إن تكرار حوادث سرقة الدواء يعكس «انهيار منظومة الرقابة داخل المؤسسات الصحية»، مؤكدًا أن حماية الدواء لا تقل أهمية عن توفيره. وأضاف أن غياب المحاسبة الصارمة شجع على تحول بعض المستشفيات إلى نقاط تسريب للسوق السوداء.
من جانبه، حذّر د. إيهاب الطاهر، مساعد الأمين العام لنقابة الأطباء، من أن استمرار هذه الجرائم يهدد حياة المرضى مباشرة، موضحًا أن مريض السرطان لا يحتمل تأخير الجرعة أو استبدالها بدواء مجهول المصدر يُشترى من السوق السوداء.
نقابات المهن الطبية: الجريمة نتيجة طبيعية للفوضى
نقابة الصيادلة بدورها حمّلت الجهات المسؤولة مسؤولية ما جرى. وقال د. محسن عبيد، نقيب الصيادلة، إن سرقة أدوية من داخل مستشفى حكومي «لا يمكن فصلها عن ضعف نظم التتبع والتخزين»، مشددًا على أن غياب الرقابة الإلكترونية واللجان المستقلة جعل الدواء العام فريسة سهلة للفساد.
وأضاف أن أدوية السرطان تحديدًا تُعد هدفًا رئيسيًا لعصابات السوق السوداء بسبب أسعارها المرتفعة، مؤكدًا أن النقابة طالبت مرارًا بتطبيق نظام تتبع صارم للأدوية داخل المستشفيات، دون استجابة حقيقية.
أما د. أحمد أبو العزم، عضو مجلس نقابة الصيادلة، فأكد أن الأزمة أعمق من واقعة واحدة، معتبرًا أن ما حدث في حلوان «نتيجة طبيعية لتراكم الإهمال الإداري، وتدني الأجور، وغياب الردع». وأوضح أن تحميل أفراد بعينهم المسؤولية دون إصلاح المنظومة بالكامل لن يمنع تكرار الجريمة.
في النهاية تكشف واقعة مستشفى التأمين الصحي بحلوان جانبًا مظلمًا من واقع المستشفيات الحكومية، حيث لا يقتصر الخطر على نقص الإمكانات، بل يمتد إلى تحويل الدواء نفسه إلى سلعة تُنهب من أفواه المرضى. وبينما تتحدث الحكومة عن تطوير المنظومة الصحية، تستمر الجرائم داخلها بلا حماية حقيقية، في زمن تُترك فيه صحة المصريين رهينة الإهمال والفساد. القضية لم تعد جنائية فقط، بل اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمنظومة يفترض أنها وُجدت لحماية الإنسان، لا الاتجار بآلامه.

