أعلنت الحكومة المصرية عن إطلاق ما سمّته «أول جامعة للغذاء» في البلاد، مقدّمة المشروع بوصفه خطوة رائدة في مسار التعليم العالي والبحث العلمي، ورافعة استراتيجية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي وسلاسل التوريد.
غير أن هذا الإعلان، كغيره من المشروعات الحكومية في ظل حكم العسكر، يثير تساؤلات أعمق حول جدّيته وجدواه، وحدود كونه استثمارًا حقيقيًا في المعرفة، أو مجرد واجهة جديدة لسياسات فاشلة أفرغت مفهوم الأمن الغذائي من مضمونه، ودفعت ملايين المصريين إلى حافة العجز عن توفير غذائهم الأساسي، في ظل إدارة مرتبكة من قبل الحكومة المصرية.
جامعة جديدة فوق أنقاض منظومة غذائية منهارة
تقدّم حكومة الانقلاب «جامعة الغذاء» باعتبارها استجابة علمية لتحديات الأمن الغذائي، بينما الواقع يشير إلى أن هذه التحديات ليست علمية بقدر ما هي سياسية واقتصادية بحتة.
فمصر تعاني من توسع غير مسبوق في استيراد الغذاء، وتراجع حاد في الرقعة الزراعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة سياسات تعويم العملة ورفع الدعم وبيع الأصول.
في هذا السياق، يبدو إنشاء جامعة متخصصة أشبه بمحاولة تجميلية لتغطية فشل سياسات الزراعة والغذاء، لا معالجة جذور الأزمة.
فالأمن الغذائي لا يُبنى بإنشاء كليات جديدة، بينما الفلاح يُترك فريسة للديون، والمياه تُهدر، والأراضي تُجرف لصالح مشروعات عقارية تخدم نخبة ضيقة على حساب ملايين المزارعين.
كليات متخصّصة… وسوق عمل مُغلق
تضم الجامعة خمس كليات متخصصة في علوم وتكنولوجيا الغذاء، والتغذية، والهندسة الغذائية، والزراعة الحديثة، وإدارة سلاسل التوريد. على الورق، يبدو هذا التكامل مثاليًا. لكن السؤال الجوهري: أين سيعمل هؤلاء الخريجون؟
سوق العمل في قطاع الغذاء والزراعة يعاني من الاحتكار، وغياب المنافسة، وهيمنة الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، التي لا تُدار بمنطق البحث العلمي أو الكفاءة، بل بمنطق النفوذ والامتياز.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول الجامعة إلى مصنع شهادات، لا إلى محرّك للتنمية.
الحديث عن «الربط بالمشروعات القومية» يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة، لأن هذه المشروعات نفسها تفتقر للشفافية والمساءلة، وغالبًا ما تُدار خارج أي رقابة برلمانية أو مجتمعية، ما يحرم البحث العلمي من استقلاله، ويُحوّل الجامعة إلى ذراع فنية لخدمة سياسات فوقية لا تخدم الصالح العام.
التعليم التطبيقي في خطاب الانقلاب… بين الشعار والواقع
تتبنّى حكومة الانقلاب خطابًا متكررًا عن «التعليم التطبيقي» و«الربط بسوق العمل»، لكنها في الواقع دمّرت الجامعات القائمة، وأفرغتها من دورها النقدي، وضيّقت على البحث الحر، ودفعت الكفاءات إلى الهجرة.
إن الحديث عن التعاون مع مؤسسات دولية والقطاع الخاص يظل بلا معنى في غياب بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، تحترم سيادة القانون، وتضمن حرية البحث، وتحمي استقلال الجامعات.
فلا يمكن لجامعة -مهما كان تخصصها- أن تنجح في ظل مناخ يخضع فيه العلم للتوجيه الأمني، وتُدار فيه المعرفة بعقلية الأوامر والتعليمات.
الأخطر أن حكومة الانقلاب توظّف هذه الجامعة ضمن خطاب «الأمن القومي»، وهو خطاب اعتادت استخدامه لتبرير السيطرة والاحتكار، لا لبناء سياسات مستدامة قائمة على المشاركة المجتمعية والعدالة.
وأخيرا المحصلة، لا يمكن النظر إلى «جامعة الغذاء» بمعزل عن السياق العام لحكم العسكر في مصر.
فالمشكلة ليست في غياب الجامعات أو الكليات، بل في غياب الرؤية الشاملة، والعدالة الاقتصادية، والديمقراطية التي تتيح محاسبة الفاشلين.
إن الأمن الغذائي لا يتحقق بشعارات ولا بمبانٍ جديدة، بل بسياسات تحترم الفلاح، وتحافظ على الأرض والمياه، وتحرر الاقتصاد من قبضة الاحتكار، وتعيد للعلم استقلاله.
أما في ظل حكومة الانقلاب، فإن «جامعة الغذاء» مرشحة لأن تكون إضافة جديدة إلى سجل المشروعات الدعائية، التي تلمّع صورة السلطة، بينما يزداد المواطن فقرًا، ويزداد غذاؤه ندرة، وتبقى الأزمة الحقيقية بلا حل.

