أثار قرار وزارة السياحة والآثار المصرية باشتراط شهادة الاستطاعة الصحية كوثيقة إلزامية لإصدار تأشيرة الحج السياحي لموسم 2026 موجة واسعة من الجدل.

فبينما قدّمته الحكومة باعتباره إجراءً تنظيميًا يهدف إلى حماية الحجاج وضمان سلامتهم، رأى فيه كثيرون قيدًا جديدًا يهدد حلم آلاف المصريين، خصوصًا من كبار السن، الذين انتظروا سنوات طويلة ليؤدوا فريضة العمر، قبل أن تحاصرهم الشروط واللوائح والقرارات البيروقراطية التي لا تراعي البعد الإنساني ولا الروحي للحج.

 

من «الاستطاعة الشرعية» إلى «الاستبعاد الإداري»

 

تنص الشريعة الإسلامية بوضوح على أن الحج فريضة على من استطاع إليه سبيلًا، والاستطاعة هنا مفهوم واسع يشمل القدرة البدنية والمالية معًا، ويُترك تقديرها في المقام الأول للإنسان نفسه، ثم للطبيب بوصفه مُعينًا لا قاضيًا مانعًا.

 

غير أن القرار الجديد ينقل الاستطاعة من إطارها الشرعي والإنساني إلى إطار إداري صارم، يجعل من الشهادة الصحية شرطًا قاطعًا لا يُناقش.

وبهذا التحول، يصبح الطبيب واللجنة الطبية جهة فاصلة في تقرير مصير الحاج، لا باعتبارهم ناصحين، بل مانعين، وهو ما يفتح الباب أمام ظلم محتمل لفئات واسعة، خاصة كبار السن الذين قد لا يتمتعون بصحة مثالية، لكنهم قادرون نفسيًا وروحيًا على تحمّل المشقة، ومستعدون لتحمّل المخاطر عن وعي وإرادة.

 

السؤال الجوهري هنا: هل تتحول «سلامة الحاج» إلى ذريعة لإقصائه؟ وهل يُعقل أن يُحرم إنسان من أداء فريضة دينية لأنه لم يعد شابًا؟

 

كبار السن… الفئة الأكثر تضررًا من القرار

 

لا يخفى أن غالبية المشتاقين للحج في مصر هم من كبار السن، ممن أفنوا أعمارهم في العمل والكدّ، وانتظروا سنوات طويلة حتى يتمكنوا ماديًا من أداء الفريضة.

هؤلاء لم يلحقوا الشباب، لكنهم لم يفقدوا الشوق ولا النية ولا الاستعداد النفسي لتحمّل المشقة.

 

القرار، بصيغته الحالية، يتجاهل هذه الحقيقة، ويتعامل مع الحج وكأنه رحلة سياحية عادية، لا عبادة تقوم في جوهرها على المشقة والصبر.

فالحج لم يكن يومًا مخصصًا للأقوياء جسديًا فقط، بل أدّاه عبر التاريخ مرضى وكبار سن، واستعانوا بمن يساندهم، واحتسبوا أجر التعب عند الله.

 

الأخطر أن هذا الشرط قد يتحول إلى أداة تمييز غير معلنة، تُقصي فئة عمرية كاملة، وتُغلق الباب أمام من تبقى لهم فرصة واحدة في الحياة لأداء الركن الخامس من الإسلام، وكأن الدولة تقول لهم ضمنيًا: «فاتكم القطار».

 

تنظيم أم تشديد بلا بُعد إنساني؟

 

تستند الحكومة في قرارها إلى التنسيق مع الجهات الصحية في المملكة العربية السعودية، وإلى ضرورة رفع شهادة الاستطاعة الصحية عبر منصة نسك مسار، مع التأكيد على حمل النسخة الأصلية أثناء السفر.

كما نقلت تصريحات سامية سامي القرار بوصفه جزءًا من منظومة متكاملة لضمان السلامة.

 

غير أن التنظيم لا يعني التشدد، والسلامة لا تعني الإقصاء. فكان يمكن للدولة أن تعتمد مقاربة أكثر توازنًا، تسمح للحاج باتخاذ القرار النهائي بعد إقرار طبي بالمخاطر، لا منعه الكامل.

وكان يمكن توفير برامج دعم طبي ومرافقة صحية لكبار السن، بدل إغلاق الباب في وجوههم باسم الحماية.

 

لكن القرار جاء في سياق عام تتبنى فيه الدولة منطق المنع بدل التيسير، والإدارة الصارمة بدل الرؤية الرحيمة، وهو منطق ينعكس في سياسات متعددة لا تضع الإنسان في قلب القرار.

 

وأخيرا في المحصلة، لا يرفض أحد مبدأ الحفاظ على صحة الحجاج أو تنظيم الموسم، لكن الاعتراض الحقيقي ينصبّ على تحويل الاستطاعة الصحية إلى شرط إقصائي قاطع، يتجاهل البعد الديني والإنساني للحج.

فالحج ليس امتيازًا للشباب، ولا رحلة بلا مشقة، بل فريضة عمر، وشوق متراكم، وأمل أخير لكثيرين.

 

إذا استمرت الدولة في التعامل مع الحج بعقلية إدارية بحتة، فإنها تخاطر بحرمان آلاف المشتاقين من حقهم الروحي، وتغضّ الطرف عن كبار السن الذين لم يلحقوا الشباب، لكنهم لم يفقدوا الإيمان ولا الرغبة.

والواجب هنا ليس المنع، بل التيسير المسؤول، الذي يوازن بين السلامة والرحمة، وبين التنظيم وحق الإنسان في أن يودّع الدنيا وقد أدّى فريضته.