لم تكن أزمة سحب أرض فرع نادي نادي الزمالك بمدينة 6 أكتوبر مجرد خلاف إداري حول نسبة إنجاز مشروع، بل تحولت إلى مرآة تعكس خللًا عميقًا في المنظومة الرياضية المصرية بأكملها. قرار جهاز مدينة حدائق أكتوبر بسحب الأرض ألقى بظلاله على مستقبل أحد أكبر الأندية، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح ملف أوسع: منظومة تُدار بلا تخطيط مالي رشيد، صفقات بملايين تُبرم دون دراسات، ثم تُفسخ بتكلفة أكبر، ومسؤولون يرحلون دون محاسبة حقيقية.

 

سحب الأرض… نتيجة طبيعية لإدارة مرتعشة

 

بحسب ما أُعلن، جاء سحب الأرض بعد منح النادي تمديدات ومهل متكررة، دون تحقيق نسب إنجاز متناسبة مع الجداول الزمنية. أُزيلت اللافتات وتوقفت الأعمال فورًا، لتجد الإدارة نفسها أمام مأزق مالي حاد. بيان النادي رفض القرار وأكد الثقة في مؤسسات الدولة، لكن الأزمة لم تنشأ في يوم وليلة. فالأرض كانت ركيزة لخطط استثمارية يفترض أنها تُدار بصرامة، لا أن تُترك رهينة لتعثر إداري وتمويل غير مستدام.

 

يرى مراقبون أن المشكلة أعمق من “إجراء قانوني”. إنها نتاج سنوات من إدارة تعتمد على الوعود لا الأرقام، وعلى تعاقدات رياضية مكلفة بلا عائد، في وقت كانت فيه الحاجة ماسّة لتأمين موارد ثابتة قبل إطلاق مشروعات كبرى. النتيجة: توقف مشروع، ضغط مالي، وملفات قانونية مفتوحة.

 

صفقات مشبوهة… ثم فسخ بملايين

 

الأخطر أن أزمة الأرض تزامنت مع تفاقم أزمة السيولة، وبدء لاعبين أجانب ومحليين في إرسال إنذارات قانونية بسبب تأخر المستحقات. هذه ليست حالة استثنائية، بل جزء من نمط متكرر في الكرة المصرية: شراء لاعبين بأسعار مرتفعة، دون ملاءمة فنية أو مالية، ثم فسخ التعاقد وتحمل غرامات أو مستحقات متبقية.

 

وبحسب بيانات القضايا المنظورة وأحكام الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جاءت أبرز الخسائر كالتالي:

  • خالد بوطيب:

    تعاقد الزمالك مع اللاعب مقابل 1.8 مليون دولار سنويًا لمدة 3 سنوات، لكنه شارك فعليًا لأقل من موسم واحد، قبل فسخ التعاقد.

    وأصدرت فيفا حكمًا بإلزام النادي بسداد 2.4 مليون يورو + فوائد، ما يعادل أكثر من 85 مليون جنيه وقت صدور الحكم.

     
  • جايمي باتشيكو (مدرب):

    تعاقد براتب 70 ألف دولار شهريًا، وغادر بعد أقل من 4 أشهر، قبل أن يحصل على حكم تعويض بلغ 880 ألف دولار، بخسارة قُدرت بنحو 27 مليون جنيه.

     
  • كريستيان جروس (مدرب):

    بلغ راتبه 120 ألف دولار شهريًا، وانتهت العلاقة التعاقدية بحكم تعويض قيمته 600 ألف دولار، أي أكثر من 18 مليون جنيه.

     
  • جايمي باتشيكو (الفترة الثانية):

    حصل على تسوية مالية بعد الفسخ بلغت 400 ألف دولار، ما يعادل نحو 12 مليون جنيه.

     
  • بنجامين أشيمبونج:

    بعد فسخ التعاقد، حصل اللاعب على حكم بقيمة 1.1 مليون دولار، أي أكثر من 30 مليون جنيه.

    كما تكبد النادي خسائر إضافية نتيجة صفقات فاشلة لم تحقق أي عائد فني أو مالي، من بينها:

     
  • مايوكا:

    صفقة بلغت 1.5 مليون دولار، مع مشاركات محدودة للغاية، وانتهت دون تحقيق أي عائد، لتُسجل خسارة مباشرة بقيمة الصفقة والرواتب.

     
  • ستانلي أوهاويتشي:

    تعاقد بقيمة 1.3 مليون دولار، ثم بيع لاحقًا بخسارة لا تقل عن 700 ألف دولار.

     
  • كاسونجو كابونجو:

    صفقة بلغت 1.2 مليون دولار، انتهت بفسخ وتسوية، مع خسارة لا تقل عن نصف القيمة.

 

وفي الوقت الحالي، يواجه النادي تهديدات قانونية جديدة من لاعبين حاليين بسبب تأخر المستحقات، أبرزهم:

 

  • صلاح مصدق: مستحقات متأخرة بقيمة 350 ألف دولار
  • أحمد الجفالي: 220 ألف دولار
  • محمود بنتايك: 300 ألف دولار
  • خوان بيزيرا: 200 ألف دولار

 

وبذلك يصل إجمالي المستحقات المهددة بالتصعيد القانوني حاليًا إلى 1.07 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 52 مليون جنيه.

 

إجمالي الخسائر

 

  • غرامات وتسويات منذ 2017: 6.5 مليون دولار
  • صفقات فاشلة بلا عائد: 4 ملايين دولار
  • نزاعات حالية مهددة: 1 مليون دولار
  • الإجمالي الكلي: أكثر من 11.5 مليون دولار = ما يتجاوز 550 مليون جنيه مصري

 

الملاحظ أن القاسم المشترك ليس أسماء بعينها، بل غياب نظام حوكمة يمنع تكرار الخطأ: تعاقد بلا دراسة، ثم فسخ بتكلفة أعلى.

 

أين المحاسبة؟ سؤال بلا إجابة

 

تتراكم القضايا أمام الفيفا والمحاكم المحلية، بينما تتبدل الإدارات دون مساءلة حقيقية عن القرارات التي أهدرت المال العام والخاص. لا توجد تقارير شفافة تُعلن للرأي العام: من وقّع؟ على أي أساس؟ ولماذا فشل التعاقد؟ ومن يتحمل التكلفة؟ في منظومة صحية، تُسأل الإدارة وتُحاسب، وتُراجع اللوائح. في الواقع المصري، غالبًا ما تُطوى الصفحة ببيان، وتُرحّل الفاتورة إلى الإدارة التالية.

 

النتيجة ليست فقط نزيفًا ماليًا، بل تآكل ثقة الرعاة والجماهير، وتراجع القدرة التنافسية. وحين تُضاف أزمة استثمارية كبرى—مثل سحب أرض—يتضح أن المشكلة ليست ظرفًا طارئًا، بل بنية مختلة.

 

طريق الخروج… إن وُجدت إرادة

 

إنقاذ الأندية -والزمالك نموذجًا- يتطلب حزمة واضحة:

 

  • حوكمة تعاقدية تُلزم بدراسات فنية ومالية قبل أي صفقة.
  • شفافية بنشر ملخصات العقود والالتزامات.
  • مساءلة إدارية وقانونية عن القرارات الخاسرة.
  • تنويع موارد حقيقي قبل إطلاق مشروعات كبرى.
  • سقف إنفاق مرتبط بالإيرادات، لا بالضغوط الجماهيرية.

 

الخلاصة:

 

أزمة أرض الزمالك لم تسقط من السماء. إنها نتيجة منظومة رياضية تُدار بلا محاسبة، تُهدر الملايين في صفقات وفسوخ، ثم تتفاجأ بالعجز. الإصلاح لم يعد خيارًا تجميليًا، بل ضرورة وجودية. دون ذلك، ستتكرر الأزمات، وسيظل الثمن يدفعه النادي وجماهيره—لا من اتخذ القرار.