تقدّم هيئة تحرير الجارديان قراءة في موجة الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، وترى أن لجوء السلطات إلى قطع الإنترنت يعكس ارتباكًا عميقًا داخل نظام يواجه ضغوطًا غير مسبوقة. تسعى الخطوة إلى منع تمدد الاحتجاجات وحجب مشاهد القمع عن العالم، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة الثقة بقدرة الدولة على السيطرة الكاملة على المشهد.
تشير الجارديان إلى أن الشرارة الأولى انطلقت أواخر ديسمبر مع تصاعد التضخم وانهيار العملة، قبل أن تتسع رقعة الاحتجاجات وتبلغ طهران ومدنًا أخرى. أظهرت مقاطع مصوّرة آلاف المتظاهرين في شوارع العاصمة، مع إحراق مركبات ومبانٍ حكومية، ما يعكس انتقال الغضب من مطالب اقتصادية إلى تحدٍّ سياسي أوضح.
من الاقتصاد إلى تحدّي الشرعية
عرفت إيران موجات احتجاج سابقة توقّع معارضو النظام سقوطه خلالها، لكن السلطات نجحت دائمًا في قمعها. سحق النظام حركة «الخضر» عام 2009، ثم أنهى احتجاجات اقتصادية واسعة بعد عشر سنوات بحملة قاسية. تختلف الاحتجاجات الحالية من حيث الحجم عن ذروة حركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، لكنها انطلقت هذه المرة من شرائح اجتماعية أبدت تاريخيًا قدرًا أكبر من الدعم للنظام، وتصاعدت سريعًا إلى حد مطالبة بعض المشاركين بسقوطه.
تتحدث منظمات غير حكومية عن سقوط عشرات القتلى، بينهم أطفال. اعترف المرشد الأعلى علي خامنئي في البداية بـ«مشروعية» المطالب الاقتصادية، لكنه صعّد لاحقًا خطابه ضد ما سمّاهم «مخربين» يتهمهم بخدمة دونالد ترامب، بعد تهديد الرئيس الأميركي بالتدخل و«الضرب بقوة» إذا سقط مزيد من الضحايا. أعلن رئيس السلطة القضائية أن العقوبات ستكون حاسمة وبلا أي تساهل قانوني.
نظام يضغط من الداخل والخارج
توضح الصحيفة أن النظام، رغم قدرته المتكررة على القمع، فشل في معالجة الأسباب الجذرية للاحتجاجات، ويواجه اليوم ضغوطًا متزامنة داخلية وخارجية. تضيق المساحة الاقتصادية للمناورة أكثر من أي وقت مضى، ويبلغ المرشد 86 عامًا ويعاني متاعب صحية. تضرّر «محور المقاومة» بشدة، كما هزّت حرب يونيو التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، إضافة إلى الهجوم الأميركي على منشآت نووية، صورة الدولة القادرة على توفير الأمن لمواطنيها، حتى بعدما أخفقت اقتصاديًا.
تضيف الجارديان أن تهديدات ترامب، بعد خطفه غير القانوني لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، قد تدفع القيادة الإيرانية إلى التريث، لكنها تمنحها في المقابل ذريعة لتجريد مواطنين أصحاب مظالم حقيقية من الشرعية ووصمهم كأدوات لقوى خارجية. يرى ترامب، المنتشي بما يصفه بنجاح التدخل في فنزويلا، أن التدخل الخارجي يحقق «انتصارات سهلة»، بينما يلمّح بنيامين نتنياهو إلى أن الإيرانيين «يأخذون مصيرهم بأيديهم»، مستندًا إلى سجل سابق في دفع واشنطن نحو مغامرات خطرة.
مخاطر التصعيد الإقليمي
تحذّر الصحيفة من أن زعزعة الاستقرار قد تعزّز نفوذ الحرس الثوري بدل إضعافه. ألمح مجلس الدفاع الإيراني هذا الأسبوع إلى إمكانية اتخاذ عمل عسكري استباقي إذا رصد «مؤشرات موضوعية على تهديد» من الولايات المتحدة وإسرائيل. قد يكون هذا الخطاب محاولة لاستعادة الردع، لكنه يكشف دخول المنطقة مرحلة أشد خطورة.
تخلص الجارديان إلى أن لا مخرج سهلًا، سواء استمر النظام أو اقترب تدريجيًا من نهايته. يزيد الساعون إلى «المساعدة» عبر استغلال المظالم المشروعة للإيرانيين لمصالحهم الخاصة من احتمالات إراقة الدماء والمعاناة. في ظل هذا المشهد، تواجه أساليب القمع القديمة اختبارًا قاسيًا أمام ضغوط جديدة، داخلية وخارجية، قد تعيد رسم معادلة السلطة في إيران والمنطقة.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jan/09/the-guardian-view-on-irans-protests-old-tactics-of-repression-face-new-pressures

