في تطور خطير يعكس تحوّل أدوات القمع من الداخل إلى الخارج، باتت سلطات عبدالفتاح السيسي، تُحكم قبضتها على المعارضين السياسيين حتى وهم خارج حدود البلاد، عبر سياسات عقابية إدارية تمسّ جوهر الوجود القانوني والإنساني للمواطن.
لم يعد السجن هو الأداة الوحيدة، بل تحوّل جواز السفر وبطاقة الهوية وشهادات الميلاد إلى وسائل ضغط وابتزاز، تُستخدم لإخضاع المعارضين وإجبارهم على الصمت أو العودة القسرية إلى البلاد، في ممارسة تُصنّف قانونيًا بوصفها «اضطهادًا عابرًا للحدود».
هذا النمط من القمع لا يستهدف الأفراد وحدهم، بل يمتد ليشمل أسرهم وأطفالهم، حيث تتعنت القنصليات المصرية في الخارج في إصدار أو تجديد الوثائق الثبوتية، ما يضع آلاف المصريين في أوضاع قانونية وإنسانية شديدة الهشاشة، ويهدد إقاماتهم، ويقيد حركتهم، ويعطّل حقهم في العمل والتعليم والعلاج، في انتهاك صريح للدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي تكفل حرية التنقل وتحظر العقاب الجماعي.
القنصليات.. من خدمة المواطنين إلى أدوات عقاب
تشير شهادات حقوقية متطابقة إلى أن القنصليات المصرية في عدد من الدول تحولت من مؤسسات خدمية إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية. فبدعوى «القيود الأمنية» أو «التعليمات السيادية»، يُحرم معارضون من تجديد جوازات سفرهم أو استخراج بطاقات رقم قومي، دون قرارات مكتوبة أو أسباب قانونية معلنة، ودون إتاحة أي مسار للطعن أو المراجعة.
الأخطر من ذلك، أن هذا التعسف طال أطفال المعارضين المولودين في الخارج، إذ امتنعت القنصليات عن إصدار شهادات ميلاد لهم، في محاولة لتجريدهم من الهوية القانونية منذ اللحظة الأولى، بما يُعد انتهاكًا جسيمًا لاتفاقية حقوق الطفل، ويحوّل هؤلاء الأطفال إلى ضحايا صامتين لصراع سياسي لا ذنب لهم فيه.
صلاح إمام.. نموذج دالّ على الاضطهاد العابر للحدود
في هذا السياق، تبرز حالة الصحفي صلاح إمام كنموذج كاشف لاتساع نطاق هذه السياسات.
فإمام، الذي عمل في المجال الصحفي لأكثر من عشرين عامًا، وشارك في كيانات صحفية وحقوقية متعددة، تعرّض منذ عام 2016 لسلسلة من الملاحقات والتهديدات الأمنية على خلفية مقالاته وآرائه المنتقدة للسياسات الرسمية.
وبحسب إفادته والمستندات الحقوقية المتاحة، اضطر إمام إلى مغادرة مصر في أكتوبر 2016 متجهًا إلى المملكة العربية السعودية، خوفًا على حياته.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد إلى مصر، لكنه لم يسلم من الملاحقة؛ إذ واجه نمطًا متصاعدًا من الاضطهاد العابر للحدود، تمثل في الامتناع التعسفي عن إصدار أو تجديد وثائقه الثبوتية، وعلى رأسها جواز السفر وبطاقة الرقم القومي.
أحكام قضائية بلا تنفيذ
تكشف القضية عن بعد أخطر يتمثل في تجاهل أحكام القضاء. فقد أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا صريحًا بإلغاء القرار الإداري السلبي المتمثل في الامتناع عن إصدار الوثائق، مؤكدة إساءة استعمال السلطة وانعدام السند القانوني لهذا التعسف.
ورغم ذلك، امتنعت الجهات المعنية عن تنفيذ الحكم، في انتهاك مباشر لمبدأ سيادة القانون، وحرمان فعلي من الحماية القضائية، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى التقاضي في قضايا تتصل بالأمن والسياسة.
مخاطر إنسانية وقانونية متصاعدة
وضعت هذه الممارسات الصحفي صلاح إمام في وضع قانوني بالغ الخطورة، إذ بات مهددًا بفقدان الإقامة والترحيل القسري، بما قد يفضي إلى إعادته إلى مصر، حيث يواجه مخاطر حقيقية تتمثل في الاعتقال التعسفي أو التعذيب أو الإخفاء القسري، وفقًا لتقارير حقوقية سابقة بشأن أوضاع المعارضين العائدين قسرًا.
وترى الشبكة المصرية لحقوق الإنسان أن هذه الحالة لا تمثل استثناءً، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تطال آلاف المصريين في الخارج، وتستهدف شلّ حياتهم بالكامل، وتحويل المنفى إلى مساحة عقاب دائم، وإجبارهم على الاختيار بين العيش بلا حقوق أو العودة إلى وطن تغيب فيه الضمانات القانونية.
انتهاكات دستورية ودولية
من منظور قانوني، تتعارض هذه الممارسات مع نصوص الدستور التي تكفل حرية التنقل وحق المواطنة وعدم التمييز، كما تخالف التزامات مصر الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحظر القيود التعسفية على حرية الحركة، ويُلزم الدول بحماية مواطنيها في الخارج، لا استخدام أوراقهم الثبوتية كأدوات عقاب.

