تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تصعيدها العنيف في مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة، وسط اقتحامات متكررة واشتباكات مسلحة، أسفرت عن عشرات الإصابات في صفوف الفلسطينيين، واعتقالات، وحصار للمساجد، إلى جانب استهداف مباشر للصحفيين، في مشهد يعكس اتساع رقعة المواجهة منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة.

 

وشهدت مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، واحدة من أعنف هذه الاقتحامات، حيث أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عن إصابة ما لا يقل عن 15 فلسطينيًا، بينهم طفل، جراء إطلاق قوات الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة في البلدة القديمة، وتحديدًا في حاراتها المكتظة بالسكان.

 

وفي السياق ذاته، أفادت وزارة الصحة الفلسطينية بوصول ثلاث إصابات برصاص الاحتلال إلى مستشفى رفيديا الحكومي في نابلس، ووصفت حالتهم بالمتوسطة، بينما تعاملت طواقم الهلال الأحمر ميدانيًا مع 15 إصابة بحالات اختناق، من بينهم طفل يبلغ من العمر 13 عامًا، دون الحاجة إلى نقلهم للمستشفى، ما يرفع حصيلة الإصابات في المدينة إلى 18 فلسطينيًا خلال ساعات قليلة.

 

اشتباكات ومقاومة مسلحة

 

على الأرض، أعلنت سرايا القدس – كتيبة نابلس، أن مقاتليها تصدوا لمحاولات تسلل قوات الاحتلال إلى منازل المواطنين داخل البلدة القديمة، مؤكدين استهداف القوات المقتحمة بزخات كثيفة من الرصاص المباشر، وتحقيق إصابات في صفوفها، إضافة إلى استهداف التعزيزات العسكرية التي دفعت بها قوات الاحتلال إلى المنطقة.

 

وصباح الأحد، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بإصابة أحد جنوده بجروح متوسطة، إثر إطلاق نار خلال الاشتباكات التي اندلعت في حارة الياسمينة داخل البلدة القديمة بنابلس، مشيرًا إلى نقل الجندي المصاب إلى المستشفى وإبلاغ عائلته، مع الإعلان عن بدء مطاردة منفذ العملية.

 

وقبل ذلك، كانت إذاعة جيش الاحتلال قد أفادت بوقوع اشتباكات عنيفة في حي القصبة داخل البلدة القديمة، بين القوات الإسرائيلية ومسلحين فلسطينيين، وسط سماع دوي إطلاق نار كثيف، وانتشار واسع للآليات العسكرية في عدة أحياء وأسواق، من بينها السوق الشرقي.

 

 

قوات خاصة وحصار مساجد

 

وذكر شهود عيان أن قوات خاصة إسرائيلية تسللت في البداية إلى حارة القريون داخل البلدة القديمة، أعقبها اقتحام واسع من عدة محاور، تخلله انتشار للقناصة وإغلاق لمداخل الحارات، ما أدى إلى حالة من الرعب بين الأهالي، خاصة في ظل إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز بشكل عشوائي.

 

وفي تطور لافت، حاصرت قوات الاحتلال مسجد الساطون في حارة الياسمينة منذ صلاة الفجر، واحتجزت داخله عشرات المصلين. وأكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أنها نسّقت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإخراج المحتجزين، مشيرة إلى إخلاء 12 مصليًا حتى الآن، دون الإعلان عن العدد الإجمالي للمحتجزين داخل المسجد.

 

كما اعتقلت قوات الاحتلال الفلسطينيين لؤي شعبان وحميدو زكاري من داخل البلدة القديمة، عقب محاصرة المسجد، في إطار حملة اعتقالات متواصلة تشهدها المدينة.

 

استهداف الصحفيين

 

ولم يقتصر الاعتداء على المواطنين، إذ أُصيب مراسل قناة الجزيرة في فلسطين، ليث جعار، بحالة اختناق شديدة، بعد استهدافه بشكل مباشر بقنبلة غاز أطلقتها قوات الاحتلال أثناء تغطيته الميدانية للأحداث في نابلس.

 

وأظهرت لقطات بُثت على الهواء مباشرة لحظة تلقي جعار الإسعافات الأولية، حيث بدا غير قادر على التنفس أو الكلام نتيجة استنشاق الغاز، في مشهد أعاد إلى الواجهة قضية استهداف الصحفيين خلال تغطيتهم الميدانية في الأراضي الفلسطينية.

 

وأكدت مصادر صحفية أن الاحتلال أطلق قنابل الغاز بشكل مباشر تجاه الطواقم الإعلامية، إلى جانب السكان، وهو ما تكرر أيضًا في مدينة الخليل، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية التي تكفل حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.

 

الخليل: شهيد برصاص الاحتلال

 

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد المواطن شاكر فلاح أحمد الجعبري (58 عامًا) من مدينة الخليل، متأثرًا بإصابته برصاص قوات الاحتلال.

 

وأوضحت الوزارة أنها تلقت بلاغًا من هيئة الشؤون المدنية يفيد باستشهاد الجعبري، بعد أن أطلقت قوات الاحتلال النار على مركبته في منطقة “خلة حاضور” شرق الخليل مساء السبت، مشيرة إلى أن قوات الاحتلال منعت طواقم الإسعاف والمواطنين من الوصول إليه عقب إصابته، قبل أن تقوم باعتقاله، في سلوك وصفته الجهات الحقوقية بأنه انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني.

 

وأضافت المصادر أن قوات الاحتلال أغلقت مداخل مدينة الخليل، وأطلقت قنابل الغاز السام تجاه المواطنين ومركباتهم، ما تسبب بحالات اختناق وإرباك للحركة داخل المدينة.

 

تصعيد شامل منذ حرب غزة

 

وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد غير مسبوق تشهده الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، حيث كثّف جيش الاحتلال والمستوطنون من اقتحاماتهم واعتداءاتهم، التي شملت القتل والاعتقال وهدم المنازل وتدمير الممتلكات، إلى جانب تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني.

 

وبحسب معطيات فلسطينية رسمية، أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية عن استشهاد ما لا يقل عن 1106 فلسطينيين، وإصابة نحو 11 ألفًا، واعتقال أكثر من 21 ألف شخص، بينهم ما لا يقل عن 1600 طفل، في أرقام تعكس حجم الكلفة الإنسانية المتصاعدة لهذا التصعيد المستمر.

 

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد التحذيرات من انفجار الأوضاع ميدانيًا، مع استمرار الاقتحامات الإسرائيلية اليومية، وتصاعد المواجهة بين قوات الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، في وقت تبدو فيه مدن الضفة الغربية، وعلى رأسها نابلس والخليل، في قلب دائرة النار.