تستعد سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام القريبة للشروع في تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني، في خطوة تُنذر بإعادة هندسة شاملة للضفة الغربية وشبكة طرقها بين الشمال والجنوب، بما يفضي إلى تهجير تجمعات بدوية فلسطينية، وهدم عشرات المنشآت، وتقطيع التواصل العمراني الفلسطيني لصالح التوسع الاستيطاني.
الإخطارات التي وُجّهت مؤخرًا إلى بلدية العيزرية والتجمعات البدوية شرق القدس تؤكد قرب التنفيذ، وتكشف عن تكامل المشروع مع مخطط آخر يُعرف بـ“نسيج الحياة”، في مسار واحد يهدف إلى تحويل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، وتعزيز واقع الفصل العنصري على الأرض.
E1 و«نسيج الحياة»… فصل الطرق لتفكيك الجغرافيا
يمثل “نسيج الحياة” خطة بنية تحتية قائمة على شبكة طرق وأنفاق تفصل حركة الفلسطينيين عن المستوطنين، وتُخصص المسارات العلوية للمستوطنات، مقابل دفع الفلسطينيين إلى أنفاق أسفل الأرض. أما مشروع E1 فهو مخطط استيطاني عمراني شرقي القدس، يستهدف بناء آلاف الوحدات الاستيطانية لربط القدس التاريخية بمستوطنة معاليه أدوميم المقامة على أراضي القدس، بما يؤدي عمليًا إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها.
مدير مكتب الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية صلاح الخواجا يحذر من خطورة استثنائية للمخطط، مؤكدًا أن الإخطارات الأخيرة حدّدت مهلة لا تتجاوز 25 يومًا، تمهيدًا لهدم 47 منشأة زراعية وصناعية ومنازل سكنية، كانت قد أُخطرت منتصف أغسطس الماضي. ويشير إلى رصد موازنة تُقدّر بنحو 98 مليون دولار لتنفيذ المشاريع، مع مساعٍ إسرائيلية لخصمها من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة منذ نحو خمس سنوات، والبالغة قرابة 15 مليار شيكل.
ويركز المخطط، بحسب الخواجا، على مناطق جبل البابا وشمال غرب العيزرية، وصولًا إلى محيط عناتا شمال القدس، ضمن مسار يبدأ من شارع الفصل العنصري قرب الحاجز العسكري في عناتا ويمتد حتى بيت ساحور شمال بيت لحم، لفرض واقع جغرافي جديد بالقوة.
12% من الضفة تحت قبضة واحدة… وأرقام تهجير مقلقة
الأثر المباشر للمخطط يتمثل في وضع اليد على كامل المناطق الواقعة شرق القدس وربط القدس الغربية بالقدس الشرقية والمستوطنات وصولًا إلى البحر الميت، من دون أي وجود فلسطيني فعلي في هذه المساحة. هذه المنطقة تشكّل نحو 12% من مساحة الضفة الغربية، ولن يبقى فيها، وفق الخواجا، سوى البلدة القديمة في القدس، مع شمول مناطق “غوش عتصيون” جنوبي بيت لحم ومنطقة المطار في قلنديا شمالي القدس.
ويؤكد أن أعمال شق الطرق ضمن “نسيج الحياة” بدأت فعليًا في بعض المواقع، وأن المخطط يستهدف تهجيرًا جماعيًا للقرى البدوية المحيطة بالقدس، مع نية إقامة نحو 3400 وحدة استيطانية على أنقاضها. وحتى الآن، بسط الاحتلال سيطرته على نحو 42% من مساحة المنطقة المصنفة “ج”، بعد موجة عنيفة من إرهاب المستوطنين، في سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الأرض والحدود.
الكاتب والباحث نظام المهداوي يرى أن E1 ليس مشروع إسكان فحسب، بل أداة سيادة تُغلق إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة، وتحوّل الطرق إلى حدود سياسية صلبة. ويضيف أن “الفصل عبر البنية التحتية” هو الوجه الأخطر للاستيطان المعاصر لأنه يغيّر الواقع دون إعلان ضم رسمي.
جبل البابا… طريق يقطع الحياة وتهجير بلا بدائل
ممثل قرية جبل البابا البدوية عطا لله جهالين يحذّر من أن الأسابيع المقبلة ستشهد تنفيذًا أوسع، بعدما أُبلغ السكان بهدم المنشآت القريبة من مسار الطريق. الطريق الاستيطاني المزمع شقه يفصل جبل البابا، المحاطة بجدار الفصل من الجهات كافة، عن العيزرية، ويقطع المخرج الوحيد للقرية، بما يعني عزلًا كاملًا عن الخدمات الصحية والتعليمية والحياة العامة.
تقع جبل البابا شرقي القدس قرب العيزرية، على أرض أُهديت للفاتيكان من المملكة الأردنية عام 1964 خلال زيارة البابا بولس السادس، وتقطنها عشيرة الجهالين المصنّفة ضمن الشعوب الأصلية لمنطقة القدس وفق الأمم المتحدة. يعيش في القرية نحو 600 فرد، أي قرابة 120 عائلة، وسيُتركون، وفق جهالين، في حصار تام داخل منطقة معزولة.
الكاتب والمحلل د. فايز أبو شمالة يربط بين تصعيد إرهاب المستوطنين وتسريع التنفيذ، معتبرًا أن الاعتداءات شبه اليومية في جبل البابا والكسارات وأبو جورج ليست عشوائية، بل تمهيدًا قسريًا للتهجير. ويشير إلى إقامة نحو 12 بؤرة استيطانية حول القرية خلال عام واحد، كمؤشر على تسارع القضاء على الوجود البدوي.
أما الكاتب والمحلل ياسر الزعاترة فيؤكد أن الرهان على بيانات الإدانة الدولية لم يعد كافيًا، وأن المطلوب انتقال سياسي وإعلامي من توصيف الجريمة إلى تعطيلها، عبر ضغط دولي فعّال ووحدة فلسطينية قادرة على فرض كلفة.
في ظل هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان المجتمع الدولي سيكبح مشروعًا يعيد رسم الضفة بالقوة، أم أن E1 سيمضي ليُكمل فصل الشمال عن الجنوب، ويُحكم الكانتونات، ويُطلق أوسع موجة تهجير بدوي في محيط القدس منذ سنوات.

