حذّر المهندس داكر عبد اللاه، عضو شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية، من أزمة عميقة تضرب السوق العقاري في مصر، بعد اتساع الفجوة بين أسعار الوحدات السكنية ومتوسط دخول المواطنين، وتحول العقار – عمليًا – إلى «مخزن للقيمة» للأثرياء، بدل أن يكون وسيلة طبيعية لتملّك السكن للطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.

 

وفي تصريحات صحفية، كشف عبد اللاه عن فائض كبير في المعروض يقدَّر بحوالي 10 ملايين وحدة سكنية، مقابل طلب حقيقي عاجز عن مجاراة الأسعار، في سوق كان يُعتبر قبل 5–10 سنوات أحد أكثر مجالات الاستثمار أمانًا، قبل أن يتحول اليوم إلى ساحة مليئة بالتحديات والمخاطر، وسط سياسات مالية ونقدية لحكومة الانقلاب زادت الضغط على المطورين والمشترين معًا.

 

فائض 10 ملايين وحدة… وسوق يتحول إلى «مخزن للقيمة» لا سكنًا للمواطن

 

داكر عبد اللاه أكد أن السوق العقاري يعيش حالة تباين حادة بين الأسعار وقدرة المواطنين على الشراء، موضحًا أن أسعار العقارات «ارتفعت بشكل كبير مقارنة بمتوسط دخل المواطن»، وأن ما يجري اليوم هو وجود فجوة ضخمة بين الدخل والقدرة على تملك وحدة سكنية.

 

وبحسب تقديراته، فإن مصر تمتلك نحو 10 ملايين وحدة سكنية في السوق، لكن المعروض يفوق الطلب الحقيقي، ما يخلق تحديات كبيرة أمام المطورين، ويحوّل جزءًا كبيرًا من هذا المخزون إلى وحدات مغلقة أو استثمارية بحتة، بعيدة تمامًا عن احتياجات السكن الفعلي للأسر المصرية.

 

وترى الخبيرة في التمويل العقاري د. ليلى النجار أن ما يصفه عبد اللاه بـ«مخزن للقيمة» يعني عمليًا أن العقار أصبح أداة حماية لمدخرات شريحة محدودة قادرة على الشراء نقدًا أو بالدولار، بينما يخرج ملايين المواطنين من معادلة التملك نهائيًا.

 

وتضيف أن هذا الاستخدام للعقار كأداة ادخار طويل الأجل يرفع الأسعار بشكل غير منطقي، ويعمّق الفجوة الاجتماعية بين من يمتلك عدة وحدات، ومن يعجز عن إيجاد شقة واحدة بسعر معقول.

 

عبد اللاه أشار أيضًا إلى أن السوق شهد تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة؛ فقبل 5–10 سنوات كان العقار يُعتبر من أكثر مجالات الاستثمار ضمانًا، بينما أصبح اليوم مليئًا بالتذبذب والمخاطر، مع ضبابية في اتجاه الأسعار وقلق متزايد لدى المستثمرين والمشترين على حد سواء.

 

قفزات 40٪ في عام واحد… وسعر المتر في العاصمة من 10–18 ألفًا إلى 35–50 ألف جنيه

 

على مستوى الأرقام، يوضح داكر عبد اللاه أن أسعار العقارات ارتفعت بوتيرة تفوق كثيرًا قدرة المواطنين الشرائية، خاصة في القاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة.

ففي بعض المناطق، شهدت الأسعار خلال عام واحد فقط ارتفاعات تتراوح بين 30% و40% مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يفوق قدرة الطبقة المتوسطة ومنخفضة الدخل على مجاراة السوق.

 

ويشير إلى أن أسعار الأراضي والوحدات في المدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية، قفزت من مستوى 10–18 ألف جنيه للمتر إلى نطاق يتراوح بين 35–50 ألف جنيه للمتر، ما يعني أن الوحدة النموذجية التي تبلغ مساحتها 120 مترًا تضاعفت تكلفتها تقريبًا من حوالي 2 مليون جنيه إلى 4 ملايين جنيه، لتخرج عمليًا من متناول أغلب الأسر.

 

الخبير العقاري م. حسين المرسي يرى أن هذه القفزات ليست انعكاسًا طبيعيًا لتكاليف البناء فقط، بل نتيجة واضحة لما وصفه بـ«هوس التسعير التوقعي» لدى المطورين، الذين يسعّرون الوحدات على أساس توقع مزيد من الانخفاض في قيمة الجنيه ومزيد من التضخم، لا على أساس القدرة الفعلية للمشتري.

ويضيف أن سياسة حكومة الانقلاب الاقتصادية – من تعويم متكرر، وزيادة أسعار الفائدة، وغياب رقابة حقيقية على سوق الأراضي – أسهمت في خلق بيئة تسمح بهذا النوع من التسعير المنفصل عن الواقع الاجتماعي.

 

داكر عبد اللاه لفت كذلك إلى أن من أهم العوامل التي تضغط على السوق ارتفاع التضخم وأسعار المواد الخام وتكاليف البناء، إلى جانب زيادة أسعار الفائدة، ما يرفع تكلفة التمويل على المطورين، ويزيد عبء الأقساط على المشترين.

هذه العوامل مجتمعة جعلت السوق العقاري «مليئًا بالمخاطر»، خاصة مع استمرار حالة التذبذب في الأفق القريب.

 

أزمة تسعير لا تعترف بها حكومة الانقلاب… وحلول مؤجلة قبل انفجار اجتماعي

 

فيما يتحدث البعض عن «فقاعة عقارية»، يصرّ داكر عبد اللاه على أن ما يواجهه السوق المصري اليوم هو أزمة تسعير للوحدات العقارية وليس فقاعة بالمعنى الكلاسيكي، موضحًا أن المطورين قاموا بتسعير الوحدات بناءً على توقعات مستقبلية لا على الواقع الفعلي، ما أدى إلى ارتفاعات «مبالغ فيها لا تعكس القيمة العادلة».

ومع وجود فائض يقدَّر بـ10 ملايين وحدة، تتحول هذه الوحدات غير المباعة إلى عبء مالي على المطورين، بدل أن تكون حلًا لأزمة السكن.

 

الخبير في تخطيط المدن د. سامح فوزي يؤكد أن المشكلة ليست فنية فقط بل سياسية بالأساس؛ إذ إن حكومة الانقلاب ركزت على مشروعات ضخمة موجهة لمن يملكون القدرة على دفع ملايين الجنيهات، بينما تركت فجوة ضخمة في الإسكان المتوسط والمنخفض.

ويشير إلى أن غياب سياسات إسكان اجتماعي حقيقية، وربط تسعير الأراضي في المدن الجديدة بمنطق تعظيم العائد المالي لا تلبية الحاجة الفعلية، ساهم في تكريس سوق عقاري يخدم شريحة صغيرة ويتجاهل الغالبية.

 

داكر عبد اللاه توقع أن تستمر الأسعار في الارتفاع خلال الفترة المقبلة، لكن مع تباطؤ نسبي في الزيادة خلال عام 2026، امتدادًا لحالة التباطؤ التي بدأت منذ نهاية 2025، بسبب زيادة المعروض وتراجع الطلب الفعلي.

ومع ذلك، يبقى السوق «متقلبًا بشكل كبير»، بما ينذر بمزيد من التعقيد إذا لم تُتخذ إجراءات تصحيحية عاجلة.

 

ولتجنب تحول أزمة التسعير إلى فقاعة حقيقية أو انفجار اجتماعي، طرح عبد اللاه عدة حلول، من بينها:

 

  • مزيد من المرونة والواقعية في تسعير الوحدات، وتوقف المطورين عن التسعير الوهمي المعتمد على التوقعات.
  • تشجيع تبنّي استراتيجيات تسويقية تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، بدل الاكتفاء باستهداف فئة محدودة من المستثمرين.
  • تشجيع حكومة الانقلاب على تقديم تسهيلات تمويلية حقيقية، مثل قروض منخفضة الفائدة وأنظمة تقسيط ممتدة، بدل سياسة أسعار الفائدة المرتفعة التي تخنق التمويل العقاري.
  • عمل الحكومة على تطوير البنية التحتية في المدن الجديدة والمناطق غير المخدومة لزيادة جاذبيتها وتوزيع الطلب بدل تركّزه في مناطق بعينها.

 

لكن حتى الآن، تبقى هذه الحلول في خانة التصريحات والمقترحات، بينما يواصل السوق انفصاله عن دخل المواطن، ويواصل المطورون والحكومة تسويق الوهم العمراني في أبراج وعواصم جديدة، لا يملك أغلب المصريين أن يضعوا فيها قدمًا، فضلاً عن أن يمتلكوا فيها شقة تؤويهم.