قال عبدي عينتي، وزير التخطيط والتعاون الدولي في الصومال سابقًا، إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يشير إلى تزايد استخدام الحركات الانفصالية كأدوات تخريبية في الاستراتيجية الجيوسياسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
وأَضاف في تحليل نشرته صحيفة "بنجلاديش بوست"، أن "ما يصفه بعض الخبراء بـ"محور الانفصال" بات جليًا في ليبيا واليمن والسودان والصومال وسوريا. يقود هذا المحور إسرائيل، بدعم من شبكة من الشركاء الإقليميين، ويستهدف دولاً لا تمارس حكوماتها المركزية، التي أضعفتها الصراعات، سوى سيطرة جزئية على أراضيها".
وأوضح مؤسسي معهد التراث للدراسات السياسية بمقديشو، أنه "بالنسبة لإسرائيل، تُتيح هذه الكيانات التابعة الناشئة موطئ قدم استراتيجي في مناطق مضطربة. فمن خلالها، تستطيع مراقبة خصومها، وبسط نفوذها، وتأمين الممرات البحرية الرئيسية، وتوسيع شبكاتها الاستخباراتية".
وذكر أن إسرائيل تأمل أيضًا، مع مرور الوقت، أن تُجبر هذه الاستراتيجية الدول الأم على الانضمام، على مضض، إلى الاتفاقيات الإبراهيمة، لكنه حذر من أن هذا النهج ينطوي على تناقض، "فبدلاً من ترسيخ الاتفاقيات، يُخاطر بزعزعة استقرار المنطقة أكثر وتقويض شرعيتها. وقد تصدّرت السعودية، التي لطالما اعتبرتها واشنطن وتل أبيب الجائزة الكبرى للتطبيع الإقليمي، الجهودَ المنسقة لعرقلة محور الانفصال".
التنافس على البحر الأحمر
بعيدًا عن التنافسات الجيوسياسية الأوسع، رأى الوزير الصومالي السابق أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنافس على الوصول إلى البحر الأحمر، فمضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، يمر عبره نحو 10% من التجارة العالمية. وتمنح السيطرة على الموانئ والسواحل على طول هذا الممر نفوذًا هائلًا على التجارة الدولية.
وتابع: "ولذلك، أصبح ساحل أرض الصومال الطويل مكسبًا استراتيجيًا. ومن خلال الاعتراف بأرض الصومال، تسعى إسرائيل إلى ترسيخ وجودها في الجغرافيا الاستراتيجية للقرن الأفريقي".
وقال إن هذا التنافس تجلى بوضوح في يناير 2024، عندما وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع أرض الصومال، عرضت بموجبها الاعتراف السياسي مقابل منحها حق الوصول إلى البحر.
إلا أنها لم تدم طويلًا، ففي ديسمبر 2024، وبعد محادثات بوساطة تركية في أنقرة، اتفقت الصومال وإثيوبيا على إطار عمل يؤكد سيادة الصومال ويشير إلى ترتيبات الوصول إلى البحر تحت سلطتها، ما يُعدّ تراجعًا عن منطق الاعتراف مقابل حق الوصول السابق، بحسب عينتي.
وبالنسبة للصين، رأى أن القرن الأفريقي لا يقتصر على الموانئ والممرات الملاحية والموارد المعدنية فحسب، بل يتعداه إلى منع انتشار النزعات الانفصالية ومواجهة أي تحركات قد تشجع تايوان، والنتيجة هي ساحة متوترة ومزدحمة على نحو متزايد، حيث تتقاطع تنافسات القوى العالمية مع التطلعات المحلية غير المحسومة.
التحالف الجديد في الشرق الأوسط
قال عينتي إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال أدى إلى تسريع إعادة تشكيل أوسع نطاقًا في الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن السعودية والإمارات، اللتان كانتا شريكتين وثيقتين، أصبحتا الآن على خلاف متزايد، في حين بدأت تركيا والسعودية وقطر ومصر بالتنسيق لمواجهة ما تعتبره "محور انفصال" مزعزع للاستقرار.
وأكد أن كل عضو في هذا التحالف الناشئ يحمل مخاوفه الخاصة، إذ "تخشى مصر من أن يُشجع الاعتراف بأرض الصومال إثيوبيا، التي لا تزال عالقة معها في نزاع مرير حول سد النهضة الإثيوبي".
أما تركيا، التي استثمرت بكثافة في قطاعي الأمن والاقتصاد في الصومال لأكثر من عقد، فيقول الوزير الصومالي السابق إنها "ترى في تفكك الدولة تحديًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية في القرن الأفريقي. وتعتبر السعودية محور الانفصال خطرًا وجوديًا، بدءًا من اليمن، حيث تُقوّض النزعات الانفصالية أمنها بشكل مباشر".
وأشار إلى أن هذه الدول مجتمعةً تعمل على ترسيخ مكانتها كمدافعة عن السيادة والتماسك الإقليمي، في الوقت الذي تُنسق فيه جهودها الدبلوماسية لثني واشنطن عن اتباع خطى إسرائيل.
تداعيات وخيمة على الصومال
وبالنسبة للصومال، حذر من أن التداعيات وخيمة، إذ لم يعد ربط سياستها الخارجية بهذا التحالف الناشئ مسألة تفضيل، بل ضرورة ملحة، "فلكل من السعودية ومصر وتركيا وقطر مصلحة مباشرة في الحفاظ على سيادة الصومال ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي".
مع ذلك، قال: "لطالما اتسمت علاقات الصومال الخارجية بالتقلب، وتضاربت إشاراتها، وظهرت فيها تناقضات داخلية. وفي ظل هذا التهديد الوجودي، لم يعد التنازل بين الكتل المتنافسة خيارًا مجديًا. يجب على الصومال إعادة النظر بشكل عاجل في دبلوماسيتها، مستغلاً موقعه الجيوسياسي الاستراتيجي لبناء شراكات متينة وذات مصداقية".
وأكد عينتي أن فشل إثيوبيا في توقيع مذكرة تفاهم مع أرض الصومال، ودفاع الصين الحازم عن سيادة الصومال، وتفاقم الخلاف بين السعودية والإمارات، كلها عوامل تؤكد هشاشة النهج الإسرائيلي وحدوده، وبالنسبة لأرض الصومال، فقد أتت بنتائج عكسية قرار ربط استراتيجية الاعتراف بإسرائيل، مما زاد من عزلتها الدبلوماسية في ظل تنامي المعارضة الداخلية وتراجع سيطرتها على أراضيها.
أما بالنسبة للصومال، فقد رأى الوزير السابق أن بقاءها كدولة ذات سيادة يعتمد الآن على ضرورة التحرك العاجل، والتماسك الداخلي، والتحالف الوثيق مع تحالف الشرق الأوسط الناشئ الذي اتخذ موقفًا مناهضًا للتفكك والانفصال، وبدلاً من أن يُعزز اعتراف إسرائيل بأرض الصومال الطموحات الانفصالية، فقد عزز الإجماع الدولي حول وحدة أراضي الصومال. كما كشف هذا الاعتراف عن حدود الاعتراف كأداة جيوسياسية في نظام عالمي يزداد انقسامًا.
https://bangladeshpost.net/posts/why-israel-s-recognition-of-somaliland-backfired-166661

