في بلد يحكمه الاستثناء الأمني منذ انقلاب يوليو، تبدو أخبار القتل والموت والعنف مشاهد يومية عابرة: داخلية الانقلاب تعلن «تصفية أخطر تشكيل عصابي» في أسوان، عامل بسيط يلقى مصرعه في نهر النيل بمنشأة القناطر بعد تعاطي مخدر الآيس، ومشاجرة داخل نادي الزمالك الراقي تنتهي بإصابة فرد أمن وعضو بالنادي. ثلاث وقائع متفرقة في المكان، متصلة في الجوهر؛ دولة غائبة عن العدالة والوقاية، وحاضرة فقط عندما يتعلق الأمر بالرصاص أو تحرير محاضر شكلية.
تصفية ميدانية في وادي عبادي: رواية داخلية الانقلاب بلا شهود ولا تحقيق مستقل
في أسوان، أعلنت مديرية أمن الانقلاب عن «ضربة موجعة وناجحة» بتصفية 3 مواطنين في قرية وادي عبادي بمركز إدفو، بزعم أنهم أخطر تشكيل عصابي وإجرامي يتزعمه شخص يدعى (م. أبو عواد)، هارب من حكمين بالمؤبد. وفق الرواية الرسمية، تحركت قوة مشتركة من قطاعي الأمن العام والأمن المركزي بعد «معلومة من مصدر سري» عن وجود المطلوب داخل مزرعة تضم طاحونة لطحن الأحجار المستخرجة من باطن الأرض في نشاط التنقيب عن الذهب، ومعه عدد من أعوانه حاملين أسلحة نارية لحمايته.
تقول داخلية الانقلاب إن القوات ما إن وصلت حتى بادر «التشكيل العصابي» بإطلاق «وابل من الرصاص»، لتدخل في اشتباك استمر أكثر من أربع ساعات، انتهى بتصفية أبو عواد واثنين من معاونيه، والعثور على كميات من المواد المخدرة وعدد من الأسلحة والذخائر.
المفارقة أن كل عناصر الرواية – مصدر سري، تبادل كثيف لإطلاق النار، أسلحة ومخدرات، انتهاء بقتل جميع المتهمين – تتكرر تقريبًا في كل بيانات «التصفية» التي تصدرها الداخلية، دون وجود تحقيق قضائي مستقل، أو عرض لمقاطع مصورة محايدة، أو حتى اعتراف بوجود احتمال «الإفراط في استخدام القوة». هكذا تتحول قرى الصعيد والمناطق النائية إلى ساحات مفتوحة للقتل خارج إطار القانون، بينما يُحرم الأهالي من أبسط حقوقهم في معرفة ما إذا كان من قُتلوا مجرمين حقيقيين أم ضحايا جريمة جديدة باسم «مكافحة الجريمة».
عامل يغرق في النيل بعد تعاطي الآيس: ضحية جديدة لمنظومة تتجاهل الإدمان والفقر
في منشأة القناطر، تلقت غرفة النجدة بمديرية أمن الجيزة بلاغًا بغرق عامل في نهر النيل. بالتحريات، تبيّن أن الرجل سقط في النهر ولقي حتفه لأنه لا يجيد السباحة، بينما ذكر شهود عيان أنه تعاطى مخدر «الآيس» قبل سقوطه، ما أفقده وعيه وقدرته على الحركة المتزنة. تم انتشال الجثة ونقلها إلى ثلاجة المستشفى العام، وتحرر محضر بالواقعة، وباشرت النيابة التحقيق.
وراء هذه السطور الجافة مأساة مركبة؛ عامل بسيط، على الأرجح يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي خانق، يجد في المخدر القاتل مهربًا مؤقتًا من واقعه، فينتهي غريقًا في نهر يُفترض أنه مصدر للحياة لا للموت.
بدلًا من مساءلة سياسات تُسهِّل انتشار المخدرات بين الشباب والفقراء – من غياب برامج حقيقية للعلاج المجاني، إلى ضعف الرقابة على تجارة السموم، إلى انسداد الأفق العام أمام جيل كامل – يكتفي جهاز الأمن بتحرير محضر، وكأن الدولة لا علاقة لها بمنظومة تُنتج الإدمان ثم تتفرج على ضحاياه وهم يسقطون حرفيًا في النهر.
عنف داخل نادي الزمالك: حين ينعكس مناخ القهر العام على أندية النخبة
حتى الأندية المغلقة التي تُقدَّم كمساحات «راقية» لم تسلم من مناخ العنف؛ فقد شهد نادي الزمالك بالعجوزة مشاجرة انتهت بإصابة شخصين، أحدهما فرد أمن بالنادي، والآخر عضو حاول التدخل.
وفق التحريات، بدأت الواقعة عندما طلب فرد الأمن من أحد الأعضاء مغادرة النادي بعد بدء وقت الغلق المقرر، فرفض العضو الانصياع للتعليمات، وتطورت المشادة الكلامية إلى اعتداء بدني بعد أن استعان العضو بصديقه، فهاجما فرد الأمن، وأثناء تدخل المجني عليه الثاني للدفاع عنه تعرض لاعتداء هو الآخر.
رغم أن الواقعة تبدو في ظاهرها «مشاجرة محدودة»، فإنها تكشف عن خلل أعمق: ثقافة عامة لا تحترم قواعد أو لوائح، وشعور متضخم لدى بعض الأعضاء بأنهم فوق القانون، وانعكاس لمناخ قهري يهيمن فيه منطق «من يملك القوة أو النفوذ يفرض إرادته»، سواء كان ضابطًا في حملة تصفية، أو عضوًا متعاليًا في نادٍ اجتماعي.
في دولة تعتاد فيها الأجهزة الأمنية التصفية الميدانية دون عقاب، ويتحوّل العنف إلى أداة إدارة سياسية واجتماعية، يصبح من الطبيعي أن تنزلق تفاصيل الحياة اليومية – من شوارع القرى إلى أندية العاصمة – إلى لغة اللكمات والضرب والدم، بينما تتوارى لغة القانون والاحترام والمساءلة.
بين أسوان ومنشأة القناطر والعجوزة، تتكرر الخيوط نفسها: جهاز أمني لا يعرف سوى الرصاص والبيانات الجاهزة، مجتمع منهك بالفقر والمخدرات، وفضاء عام ملوث بالعنف من أعلى الهرم إلى قاعدته. وما دامت عصابة الحكم تواصل إدارة البلاد بعقلية «الضربة الأمنية» لا بدولة القانون، فإن أخبار التصفية والغرق والمشاجرات لن تكون سوى عناوين يومية في سجل طويل من الانهيار الإنساني والأمني.

