قفزت التقديرات المالية لمشروعات البنية التحتية والمرافق في المرحلة الثانية من العاصمة الإدارية الجديدة إلى نحو 500 مليار جنيه، أي ما يقترب من ضعف الرقم الرسمي الذي أعلنته شركة العاصمة منذ أقل من عامين فقط. هذه القفزة، التي كشف عنها مصدر مطلع داخل الشركة، تعكس ليس فقط تضخم تكاليف التنفيذ وارتفاع أسعار الخامات، بل أيضًا منطق إدارة مشروع ضخم بمليارات الجنيهات بعيدًا عن أي نقاش مجتمعي أو رقابة برلمانية حقيقية، في وقت تختنق فيه الدولة بأزمة ديون وعجز مزمن في الموازنة.

 

تضاعف في التكلفة خلال أقل من عامين: من 240 إلى 500 مليار

 

بحسب المصدر، الذي تحدث لـ"المنصة" رافضًا ذكر اسمه، فإن التكلفة الإجمالية لمشروعات المرافق في المرحلة الثانية تقترب الآن من 500 مليار جنيه، بعد أن كانت التقديرات الرسمية في مارس 2024 عند مستوى 240 مليار جنيه فقط، لمساحة 40 ألف فدان. اليوم نتحدث عن زيادة تفوق 100% في التكلفة، مقابل توسع في المساحة من 40 إلى 50 ألف فدان فقط، أي زيادة قدرها 25% في المساحة مقابل تضاعف في التكلفة.

 

هذه الأرقام تكشف خللًا واضحًا في التخطيط الأولي وتقدير التكاليف؛ فإذا كانت زيادة الأسعار العالمية للخامات وأعمال التنفيذ حقيقية، فإن الفارق بين 25% توسع في المساحة وأكثر من 100% زيادة في التكلفة لا يمكن تفسيره فقط بالتضخم، بل يعكس أيضًا طريقة إدارة المشروع، والتعجيل بتوسعات إضافية قبل استيعاب دروس المرحلة الأولى.

 

للإحاطة، بلغت تكلفة مرافق المرحلة الأولى للعاصمة نحو 350 مليار جنيه لمساحة 40 ألف فدان، شملت المحطة الرئيسية للمياه التي استحوذت وحدها على حوالي 10% من إجمالي التكلفة، بوصفها المصدر الرئيسي لتغذية المدينة بمياه النيل. الآن، ومع اقتراب تكلفة المرحلة الثانية من 500 مليار، يصبح السؤال المنطقي: ما سقف التكلفة النهائي لمشروع لم يكتمل بعد، وكيف سينعكس ذلك على المالية العامة والاقتصاد المصري ككل؟

 

بنية تحتية ضخمة وتمويل مرهون ببيع الأراضي للصناعات والمطورين

 

تتضمن أعمال المرحلة الثانية – وفق المصدر – مد وصلات المياه والغاز والكهرباء، إلى جانب تنفيذ الطرق الرئيسية والفرعية، والبنية التكنولوجية وفق مفهوم "المدينة الذكية". على الورق، تبدو الصورة لامعة: توسع في الأنشطة السكنية، التجارية، الإدارية، مع منطقة صناعية يُفترض أن تقود جزءًا من النمو والتشغيل.

 

فعليًا، بدأت أعمال الترفيق في بداية العام الماضي، وتخطط الشركة – بحسب المصدر – لطرح الدفعة الأولى من الأراضي السكنية والتجارية أمام المستثمرين في هذه المرحلة بنهاية 2026، على أن تنتهي من تجهيز وتسليم الأراضي الصناعية مطلع العام المقبل، مع توقع افتتاح أول مصنع منتصف 2027 داخل المنطقة الصناعية. كما أشار إلى أن الشركة تدرس توسعات إضافية في المنطقة الصناعية بسبب ما وصفه بـ"الإقبال المتزايد" من القطاع الخاص على شراء الأراضي، لكن هذه التوسعات ما زالت "في إطار الدراسة والتقييم".

 

المثير للاهتمام أن نموذج التمويل الذي يصفه المصدر يعتمد، بشكل أساسي، على بيع الأراضي كمورد رئيسي للعوائد. فالشركة – كما يقول – لديها مصروفات والتزامات (ومن بينها أعمال الترفيق بالمليارات)، وفي المقابل مداخيل من بيع الأراضي والأنشطة المختلفة، ثم يُخصم حجم الإنفاق من العوائد في نهاية العام لاستخراج صافي الأرباح.

 

بهذا المنطق، تتحول العاصمة الإدارية إلى مشروع ضخم للبنية التحتية تُستخدم تكلفته المتضخمة كاستثمار تمهيدي، على أمل تعويضه لاحقًا من بيع الأراضي للمستثمرين المحليين والأجانب. لكن ما لا يُقال رسميًا هو: ماذا لو تباطأ الطلب؟ وماذا لو لم تتحقق التوقعات الخاصة بالمنطقة الصناعية أو بالمبيعات العقارية؟ ومن سيتحمل فجوة التكلفة إذا لم تغطِّها عوائد الأراضي؟ المواطن أم ميزانية الدولة أم المزيد من الاقتراض؟

 

هيكل ملكية عسكري وشركات أجنبية على الأرض: من يدير ومن يحاسب؟

 

في الخلفية، يقف هيكل ملكية لافت لشركة العاصمة الإدارية الجديدة:

 

29 % لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة،

 

22 % حصة عينية لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة،

 

49 % لهيئة المجتمعات العمرانية.

 

هذا التكوين يعني أن المؤسسة العسكرية، عبر ذراعَيها الاقتصاديين، تمتلك 51% من الشركة، أي السيطرة الفعلية على القرار، بينما تتراجع مساحة الرقابة المدنية لصالح هيمنة عسكرية على واحد من أكبر المشروعات العقارية والبنية التحتية في تاريخ مصر الحديث.

 

في هذا السياق، قال خالد عباس، رئيس شركة العاصمة، في تصريحات سابقة للمنصة، إن العاصمة أبرمت اتفاقات مع شركات إماراتية وصينية لاستغلال 600 فدان من أصل ألف فدان في المنطقة الصناعية، مع دراسة طلبات "مجموعة كبيرة" من المستثمرين المحليين والأجانب لباقي المساحات. على مستوى الخطاب الرسمي، يُسوَّق هذا الأمر باعتباره نجاحًا في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، لكن من زاوية أخرى، يعني ذلك أن قلب المنطقة الصناعية في العاصمة سيكون في يد شركات خارجية، وبشروط لم تُعرض على البرلمان أو الرأي العام.

 

حين ننظر إلى الصورة كاملة، نجد مشروعًا تضاعفت تكلفته في أقل من عامين، بهيكل ملكية يغلب عليه الطابع العسكري، وتمويل يعتمد على بيع الأراضي واستقدام مستثمرين أجانب لمنطقة صناعية لم تُفتتح بعد، في اقتصاد يعاني أصلًا من عجز موازنة، وديون خارجية قياسية، وضغوط معيشية خانقة على المواطنين.

 

تبدو العاصمة الإدارية – في ضوء هذه المعطيات – أقل كأنها "مدينة أحلام" للمصريين، وأكثر كأنها آلة ضخمة لامتصاص الموارد والديون، تُبنى خارج أي نقاش ديمقراطي حقيقي، بينما يُطلب من المواطن في المقابل تحمل كلفة التقشف، وارتفاع الأسعار، وضرائب ورسوم جديدة تحت شعار "بناء الجمهورية الجديدة".