رغم حظر النظام للموقع مازال التفاعل يزيد يوما عن يوم، مع استفتاء شباب جيل زد من أجل المطالبة بعزل قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي حيث وصل عدد المصوتين لنحو 600 ألف مواطن ليثبت ذلك أن حجب موقع استفتاء "جيل زد" على عزل السيسي مجرد خطوة تقنية روتينية من نظام اعتاد التحكم في الفضاء الإلكتروني، بل تحوّل إلى اعتراف رسمي مكشوف بسقوط ما تبقّى من شرعية سياسية وأخلاقية.
ساعة واحدة فقط فصلت بين إطلاق استفتاء شبابي سلمي على الإنترنت، وبين قرار المنع والحجب، لكنها كانت كافية لكشف حجم الفزع داخل دوائر الحكم، وإظهار نظام يدرك في قرارة نفسه أن أي تصويت حر، حتى لو كان رمزيا ورقميا، سينتهي حتمًا بإدانته وعزله شعبيًا.
في مواجهة فعل رقمي بسيط، اختار النظام أن يقدّم الدليل بنفسه على هشاشته، وأن يعلن أمام الجميع أن صندوق الاقتراع – الحقيقي أو الافتراضي – هو العدو الأول لوجوده.
600 ألف مواطن يطالبون بعزل السيسي
— باطل (@batelsegnmasr) January 19, 2026
رغم حظر النظام للموقع.. التفاعل بيزيد يوم عن يوم، مع استفتاء شباب جيل زد من أجل المطالبة بعزل السيسي
@GenZ002_eg
شارك الآن
رابط المشاركة: https://t.co/kqns4GETPP pic.twitter.com/rwvMcCByOs
استفتاء رقمي يتحول إلى محاكمة لشرعية النظام
في مساء العاشر من يناير، وعند الثامنة تمامًا، أطلق شباب من "جيل زد" استفتاءً شعبيًا إلكترونيًا غير مسبوق، حمل صيغة ثورية سلمية واضحة، تقوم على فكرة "العصيان المدني الرقمي".
الفكرة الجوهرية كانت بسيطة بقدر ما هي عميقة: إذا كان الشارع محاصرًا، فلتنتقل السياسة إلى شاشة الهاتف، وإذا كانت الميادين مغلقة، فلتصبح المنصات الإلكترونية هي الميدان البديل.
لم يعد الجيل الجديد أسيرًا لصورة واحدة للفعل السياسي، بل أدرك أن أدوات المواجهة تغيّرت، وأن الضغط الشعبي يمكن أن يأخذ شكل تصويت حرّ على موقع، لا هتافًا في مظاهرة.
ما طرحه شباب "جيل زد" تحت عنوان "استمارة 6" لم يكن "مطالب" قابلة للأخذ والرد، بل ستة حقوق أساسية مغتصبة، يفترض أنها بديهيات في أي دولة تحترم مواطنيها: حق في الحرية، وكرامة، وعدالة، وتمثيل سياسي حقيقي، وإعلام لا يعمل كذراع دعائية، واقتصاد لا يُدار لصالح دائرة ضيقة من المنتفعين.
حين حوّل الشباب هذه الحقوق إلى استفتاء على بقاء السيسي في السلطة، كانوا عمليًا يعيدون تعريف الشرعية: من لا يضمن هذه الحقوق، لا يستحق أن يستمر في الحكم.
وهنا تحديدًا ظهر جوهر الفكرة وخطورتها في آن: استفتاء رقمي بسيط يتحول إلى محكمة سياسية مفتوحة لشرعية النظام أمام الأجيال الجديدة.
قرار الحجب.. عقلية الأمن الوطني تحكم دولة كاملة
لم تمضِ سوى ساعة واحدة على إطلاق الاستفتاء، حتى جاء رد النظام في التاسعة مساءً: حجب الموقع بالكامل داخل مصر. لم يحتج القرار إلى نقاش، ولم تُمنح الفكرة فرصة لتثبت أنها مجرد "فقاعة" عابرة كما يدّعي الخطاب الرسمي حين يستهين بأي حراك.
على العكس، كان رد الفعل الأمني السريع هو شهادة عملية بأن الاستفتاء أصاب عصبًا مكشوفًا في منظومة الحكم، وأن الخوف من أي آلية تصويت حر ما زال يحكم طريقة التعامل مع المجتمع.
قبل 25 يناير. لماذا يخاف السيسي من جيل زد ويستدعي شبح أمن الدولة؟ https://t.co/MQ7b3IeWRV via @YouTube✅👍✅👍
— Moustafa Farag Saad (@faragsaad_saad) January 19, 2026
قرار الحجب يفضح العقل الذي يدير الدولة: عقلية جهاز الأمن الوطني، التي لا تقرأ السياسة إلا بوصفها تهديدًا أمنيًا يجب خنقه مبكرًا.
بدلاً من التعامل مع الاستفتاء باعتباره مؤشرًا على غضب متراكم يحتاج إلى معالجة سياسية، جرى التعامل معه بمنطق "الزر الأحمر": اضغط فتختفي المشكلة من على الشاشات.
لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ فبالحجب تحوّل الاستفتاء من فعل رمزي محدود إلى قضية رأي عام، ومن مبادرة شبابية إلى دليل قاطع على أن النظام نفسه يعلم أن أي صندوق اقتراع نزيه – حتى لو افتراضيًا – سينتهي إلى نتيجة واحدة: الرفض.
قبل 25 يناير. لماذا يخاف السيسي من جيل زد ويستدعي شبح أمن الدولة؟#محمد_ناصر#مصر_النهاردة#مصر
— محمد ناصر (@M_nasseraly) January 18, 2026
#السيسي #جيل_زد #أمن_الدولة pic.twitter.com/aS07z1f8ZF
خطورة القرار لا تقف عند كونه قمعًا جديدًا، بل عند أنه يعرّي النظام أمام شعبه والعالم. حين يحجب نظام سياسي استفتاء إلكترونيًا، فهو يعلن بوضوح: "نحن لا نثق في الشعب، ولا نحتمل رأيه".
هنا تتجلى أزمة شرعية عميقة؛ شرعية لا تُبنى على الرضا والاختيار، بل على التحكم والمنع، وعلى إعادة إنتاج عقلية الخمسينيات الأمنية في زمن مفتوح الحدود، حيث الحجب لم يعد عقبة حقيقية، وحيث أدوات تجاوز المنع في متناول الجميع.
جيل لا يرث الخوف.. والوقت هذه المرة ليس في صالح النظام
الدرس الأخطر في قصة استفتاء "جيل زد" لا يتعلق بعدد المشاركين، ولا بنسبة التصويت بنعم أو لا، بل بطبيعة الجيل الذي أطلق الفكرة. إنه جيل قرر ألا يرث الخوف الذي عاشته أجيال سابقة، ولا يقبل الوصاية التي تحاول الدولة فرضها على وعيه، ولا ينتظر إذنًا من سلطة لا تعترف أصلًا بحقه في الاختيار.
هذا الجيل يتحرك بخيال أوسع من حدود الرقابة التقليدية، ويبتكر أشكالًا مختلفة من الفعل السياسي، من الميمات الساخرة إلى الحملات الرقمية، ومن الاستفتاءات الافتراضية إلى عرائض إلكترونية تتجاوز الجغرافيا وحدود الدولة.
حتى لو حورب هذا الاستفتاء، ستخرج عشرات الأفكار غيره: منصات تصويت أكثر أمنًا، أدوات تنظيم أكثر تعقيدًا، حملات تتجاوز الحجب إلى فضاءات أرحب.
لا يمكن لنظام مهما بلغت قبضته الأمنية أن يحجب فكرة، أو يعتقل خيالًا جمعيًا يتغذى على الإحساس بالظلم وسقوط العدالة.
وهنا تحديدًا تصبح كل خطوة قمعية استثمارًا في غضب قادم، وكل حجب لنوافذ التعبير دفعًا للشباب نحو خيارات أكثر حدة وكلفة على الجميع.
استفتاء جيل زد على عزل عبد الفتاح السيسي يتخطى 500 ألف صوت.. النهاية قربت أوي! pic.twitter.com/cwZkG4MTcM
— قنــــاة مكملين - الرسمية (@MekameleenMk) January 18, 2026
الرسالة التي يبعثها هذا الجيل للنظام واضحة: هذه ليست مرحلة "تفكير" في المستقبل، بل مرحلة "قرار" بصناعته. الشباب في مصر، بكل ما لديهم من تشتت وضعف أدوات، بدأوا بالفعل في ممارسة حقهم في انتزاع اختيارهم، ولو على شاشة هاتف.
وإذا كان في هذا النظام عقلاء بحق، فعليهم أن يدركوا أن الوقت لم يعد يعمل لصالحهم؛ فكل يوم تأجيل للحل السياسي المتعقل يقرب البلاد من سيناريوهات أكثر قسوة وأعلى تكلفة.
لا توجد معجزة قادمة، ولا صفقة خارجية منقذة، ولا قمع يمكن أن يستمر إلى الأبد؛ هناك فقط زمن يتحرك في اتجاه واحد، وهذه المرة يبدو واضحًا أن عقارب الساعة لا تدور لصالح نظام يختار أن يحجب الاستفتاء بدل أن يراجع نفسه أمام سؤال بسيط ومباشر: هل ما زلتم تستحقون البقاء؟

