في وقت تُصرّ فيه السلطة على إدارة المجال العام عبر القبضة الأمنية، خرج السفير معصوم مرزوق بمبادرة تُعيد وضع ملف المعتقلين السياسيين في قلب النقاش الوطني، لا في هامشه.
مرزوق، الدبلوماسي السابق والوجه المعروف في معسكر المعارضة، دعا إلى الإفراج عن جميع المعتقلين على خلفيات سياسية دون استثناء أو انتقائية، معتبرًا أن استمرار الحبس السياسي لم يعد مجرد “تجاوز حقوقي”، بل تحوّل إلى أزمة دولة تعيق أي مسار جاد نحو الاستقرار أو المصالحة المجتمعية.
في حديثه لمنصة “ذات مصر”، يؤكد مرزوق أن فتح ملفات جزئية أو الإفراجات المحدودة على طريقة “الدفعات الرمزية” لن يحلّ شيئًا، وأن الحل الحقيقي يبدأ بإغلاق هذا الملف بالكامل؛ ليس كمنّة أو مبادرة إنسانية عابرة، بل كقرار سياسي يعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، وينقلها من منطق السيطرة والخوف إلى منطق التعدد والمشاركة.
الحبس السياسي… أزمة بنية في الحكم لا مجرد “ملف أمني”
السفير معصوم مرزوق يضع إصبعه على واحد من أكثر الملفات حساسية: استخدام الحبس الاحتياطي والاعتقال السياسي كأداة إدارة وحيدة تقريبًا للمجال العام.
لا يتحدث الرجل عن أرقام أو حالات فردية، بل عن نهج ثابت يرى في المعارض مجرد “خطر دائم”، لا صاحب رأي يمكن أن يختلف دون أن يُجرَّم.
مرزوق يربط بشكل مباشر بين هذا النهج وبين اتساع فجوة الثقة داخل المجتمع؛ فحين يشعر قطاع واسع من المواطنين أن مجرد التعبير السلمي عن رأي أو مشاركة في نشاط سياسي أو نقابي قد يضعهم خلف القضبان لسنوات، تصبح الرسالة واضحة: الدولة لا تعترف إلا بالمؤيد، وكل اختلاف يُعامل كتهديد.
هذا المنطق، كما يشرح، لم ينتج استقرارًا حقيقيًا؛ بل عمّق الاحتقان، وأطال عمر الأزمات، ودفع شرائح واسعة إلى الانسحاب أو اليأس أو الراديكالية.
الدول التي تراهن على الخوف قد تحصل على هدوء ظاهري، لكنها تفقد شيئًا أثمن: الثقة المتبادلة التي تُعتبر شرطًا لأي استقرار طويل الأمد.
لذلك يرى مرزوق أن الإفراج عن المعتقلين لا يمثل “تنازلًا” من الدولة أو “ضعفًا في هيبتها”، بل العكس تمامًا؛ إنه تعبير عن ثقة الدولة في نفسها وفي مجتمعها، وعن استعدادها لإدارة التعدد ضمن قواعد القانون والدستور، لا عبر غرف الحجز وأقبية الأمن.
الدول القوية هي التي تستوعب معارضيها وتحوّلهم إلى شركاء في الحوار، لا التي تحشرهم في الزنازين وتظن أنها بهذا تحلّ المشكلة.
غياب السياسة وتآكل المجال العام… لماذا لا تكفي وصفات الاقتصاد وحدها؟
في رؤيته، لا يمكن فصل ملف المعتقلين عن الصورة الأوسع لحالة جمود سياسي وتآكل متواصل للمجال العام. مرزوق يصف ما يجري بأنه غياب شبه كامل لقنوات الحوار الحقيقي؛ أحزاب تُفرَّغ من مضمونها، إعلام موحّد الصوت، ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني تعمل تحت سقف منخفض جدًا أو تُحاصَر حتى الاختناق.
في ظل هذا الفراغ، يتم الدفع بكل الأزمات – من اقتصادية واجتماعية وأمنية – إلى مسارات أكثر تعقيدًا؛ إذ لا توجد آليات مؤسسية لتنفيس الاحتقان أو تعديل السياسات بشكل سلمي منظم.
هنا يصبح الحديث عن “إصلاح اقتصادي” أو “جذب استثمارات” أو حتى “برامج حماية اجتماعية” مجرد ترقيع فوق سطح جرح مفتوح سياسيًا.
مرزوق يذكّر بأن الدول التي تراهن على الاقتصاد وحده، متجاهلةً مطالب الحرية والكرامة والتمثيل السياسي، تجد نفسها في النهاية أمام استقرار هشّ يسقط مع أول صدمة؛ لأن البنية السياسية التي يفترض أن تحمي المجتمع وتدير خلافاته تكون قد تفككت أو تحولت إلى ديكور بلا روح.
كما يحذّر من أن استمرار هذا الوضع يضعف مناعة الدولة نفسها أمام الضغوط الخارجية؛ فحين يُختزل النظام السياسي في أجهزة أمنية وبعض الواجهات، يصبح من السهل على قوى إقليمية ودولية المساومة على ملفات الحقوق والحريات، وربطها بملفات أخرى اقتصادية أو جيوسياسية.
مجتمع بلا صوت، ودولة بلا شرعية متجذرة في مجتمعها، تتحول إلى هدف سهل للابتزاز.
الإفراج الشامل كرسالة سياسية لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع
في جوهرها، مبادرة السفير معصوم مرزوق ليست “عريضة استرحام” ولا “نداء عاطفي”، بل رسالة سياسية حادة تقول إن الخروج من الأزمات المتراكمة يتطلب تغيير طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع.
الإفراج الشامل عن المعتقلين السياسيين، كما يصوغه مرزوق، ليس مكافأة ولا صفقة ضيقة، بل خطوة تأسيسية يمكن البناء عليها:
- مدخل لإعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.
- إشارة إلى استعداد حقيقي لفتح المجال العام أمام التعبير السلمي والتنظيم المستقل.
- إعلان أن زمن إدارة الخلافات بالعقاب الجماعي والحبس الاحتياطي المفتوح قد انتهى، وأن البديل هو السياسة والقانون والحوار.
من دون هذه الخطوة، يظل أي حديث عن “حوار وطني” أو “مصالحة” مجرد ديكور. فكيف يمكن الدعوة إلى حوار بينما آلاف الأشخاص – من مختلف الاتجاهات – خلف القضبان بسبب آرائهم أو نشاطهم السلمي؟ وكيف يمكن الحديث عن “مجتمع آمن” بينما جزء من هذا المجتمع محذوف قسرًا من المشهد؟
بهذا المعنى، يضع السفير معصوم مرزوق السلطات أمام اختبار بسيط وواضح: إن كانت الدولة جادة في البحث عن استقرار حقيقي ومصالحة مجتمعية، فالبداية ليست في كلمات المؤتمر ولا في حملات التجميل الإعلامي، بل في مفاتيح الزنازين.
هناك، في صمت المعتقلات، تبدأ أو تنتهي كل الروايات عن دولة تريد أن تُصلِح… أو تصرّ على أن تبقى أسيرة خوفها من مواطنيها.

