في أقل من أسبوع، تحولت محافظة القليوبية إلى عنوان لفاجعتين متتاليتين خلّفتا 9 وفيات: أم وأطفالها الأربعة في منطقة أم بيومي بمركز قليوب إثر تسرب غاز داخل شقتهم، وقبلها خمسة أطفال أشقاء في قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها بعد حادث مرتبط بسخان الغاز وتسربه داخل الشقة.

 

النيابة بدأت معاينات وتحقيقات في الواقعتين وفق ما أوردته تغطيات محلية، بينما يتجدد الجدل حول مسؤولية منظومة السلامة المنزلية والرقابة على تركيب وتشغيل وصيانة أجهزة الغاز.

 

تسرب قاتل في «أم بيومي»: الجيران كسروا الباب فوجدوا الأسرة كاملة

 

بحسب روايات شهود وجيران نشرتها مواقع محلية، لاحظ سكان بالعقار انبعاث رائحة غاز قوية من شقة الأسرة في «أم بيومي»، وطرقوا الباب دون استجابة، ثم تم اقتحامه ليُعثر على الأم وأطفالها الأربعة وقد فارقوا الحياة اختناقًا داخل الشقة.

 

ونشرت «الوطن» تفاصيل تفيد بأن البلاغ ورد للأجهزة الأمنية، وباشرت جهات التحقيق إجراءاتها بعد العثور على الوفيات الخمس داخل المنزل، مع ترجيح أن سبب الوفاة هو استنشاق الغاز بكثافة داخل الشقة.

 

وتحدثت تقارير أخرى عن أن الأم كانت داخل الحمام وقت التسرب، بينما وُجد الأطفال في غرف النوم، في سيناريو يتكرر عادةً مع الحوادث المرتبطة بتراكم الغازات في أماكن مغلقة وعدم اكتشاف الخطر في الوقت المناسب.

 

«ميت عاصم» قبلها بأيام: خمسة أشقاء بين 8 و15 عامًا ضحايا سخان الغاز

 

وقبل واقعة «أم بيومي»، شهدت القليوبية حادثًا وصفته وسائل إعلام بـ«المأساوي» في قرية «ميت عاصم» ببنها، حيث توفي خمسة أطفال إثر انفجار/عطل بسخان غاز وحدوث تسرب داخل الشقة التي كانوا يقيمون بها.

 

وبحسب ما نشرته «اليوم السابع»، لقي الأطفال الخمسة مصرعهم اختناقًا بعد تسرب الغاز داخل الشقة، وهو ما دفع السلطات إلى التعامل مع البلاغ وإجراء المعاينات اللازمة.

 

وتبرز الواقعتان، وفق ما رصدته تغطيات متعددة، كحلقة في سلسلة حوادث تتكرر بنفس الملامح: سخانات داخل أماكن سيئة التهوية أو توصيلات غير آمنة أو غياب الصيانة الدورية، لينتهي الأمر بإزهاق أرواح غالبًا داخل الحمامات أو غرف النوم.

 

ماذا يقول الخبراء؟ “المشكلة معروفة… لكن الدولة لا تُحوِّل التحذيرات إلى إلزام ورقابة”

 

في قراءة طبية مباشرة، حذّر الدكتور محمود عمرو (مؤسس المركز القومي للسموم واستشاري الأمراض الصدرية) من غاز أول أكسيد الكربون واصفًا إياه بأنه عديم الرائحة وخطورته تكمن في أنه قد يقتل سريعًا داخل الأماكن المغلقة نتيجة الاحتراق غير الكامل ونقص الأكسجين، مشيرًا إلى أن الوفاة قد تقع خلال نحو نصف ساعة إذا انعدمت التهوية.

 

ومن منظور الحماية المدنية، قال اللواء ممدوح عبد القادر (مدير إدارة الحماية المدنية الأسبق) إن تسرب الغاز غالبًا لا يحدث فجأة بل يبدأ تدريجيًا، وإن إهمال صيانة الأجهزة المنزلية وفحص الوصلات والأنابيب من أخطر الأسباب، محذرًا من إحكام غلق أماكن وجود الغاز وضرورة منافذ التهوية المناسبة.

 

أما الدكتور مجدي موسى صليب (خبير سلامة مهنية/مدير مركز السلامة سابقًا) فأكد أن سخانات الغاز لها اشتراطات وأنها تنتج أول أكسيد الكربون، وطالب بالصيانة الدورية ومراعاة فتحات التهوية، مشددًا كذلك على أن تركيب الغاز له جهة مسؤولة ولا ينبغي الاستعانة بعمالة غير معتمدة، في إشارة مباشرة إلى فجوة الرقابة والتنفيذ على الأرض.

 

وفي شرح فني لطبيعة “الاختناق في الحمامات”، أوضح المهندس عليوة سند (مساعد رئيس شركة «تاون جاس» سابقًا وفق ما نُشر) أن حالات الاختناق قد تنتج عن نقص الأكسجين في الحيز الذي يعمل به السخان وارتفاع أول أكسيد الكربون الناتج عن الاحتراق، وهو غاز سام عديم الرائحة قد يؤدي لإغماء أو وفاة إذا تراكم داخل مكان مغلق.

 

وبينما تتكرر الحوادث وتتكاثر التحذيرات، تبقى المعضلة – كما يراها مختصون في السلامة – في ترجمة قواعد الوقاية المعروفة إلى إجراءات إلزامية قابلة للقياس: تفتيش دوري، فنيون معتمدون، اشتراطات تهوية، ومحاسبة على توصيلات غير مطابقة… بدل الاكتفاء بتوجيه نصائح بعد كل جنازة.