وسط ضجيج التصريحات الرسمية عن «أكبر دورة في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب»، تبدو الصورة على أرض الواقع أكثر قسوة بكثير. فالدورة السابعة والخمسون، التي انطلقت في 21 يناير وتستمر حتى 6 فبراير، بمشاركة 1457 ناشرًا من 83 دولة، تُقدَّم للجمهور باعتبارها «عرس الثقافة العربية»، بينما يصفها كثير من الكتّاب والناشرين بأنها استمرار لأزمة عميقة في صناعة النشر، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والقمع الرقمي بالغلاء الفاحش.

 

ورغم أن وزارة الثقافة تتباهى بزيادة عدد الدول والعارضين مقارنة بدورات سابقة، فإن النقاش الحقيقي الدائر بين أروقة الأجنحة يدور حول شيء آخر تمامًا: تراجع المبيعات، تضييق الرقابة، وتحوّل الجمهور من «قارئ» إلى «متفرّج» يلتقط الصور أكثر مما يلتقط الكتب.

 

معرض ممتلئ بالناس.. وفارغ من القرّاء

 

على مستوى الصورة، لا تزال مشاهد الزحام في ممرات المعرض حاضرة: طوابير على البوابات، أطفال وعائلات، وحشود على حفلات التوقيع والفعاليات الفنية. لكن خلف هذه الصورة اللامعة، يتحدث ناشرون عن «تراجع في القارئ الحقيقي» مقارنة بالدورة الماضية، وامتدادًا لما شُكي منه في دورات سابقة من هبوط المبيعات رغم حديث رسمي متكرر عن ملايين الزوار.

 

الناشر والمترجم أحمد السعيد يلخص هذه المفارقة حين ينتقد خطاب التفاخر بعدد الزوار. فبحسب ما نقله تقرير ثقافي حديث، يعتبر السعيد أن الحديث عن «عدة ملايين من الزائرين» لا يعني شيئًا إذا جاء أغلبهم للفرجة وتصوير المقاطع على هواتفهم، بينما تعجز الأغلبية عن شراء كتب بأسعار تقفز كل عام. بالنسبة له، فإن معرضًا يحمل هذا الاسم لا يُقاس بعدد الأقدام التي تمرّ من البوابة، بل بعدد الكتب التي تغادر الأرفف إلى بيوت القرّاء.

 

مقارنةً بالدورة السابقة عام 2025، التي شهدت – بحسب تغطيات صحفية – شكاوى واسعة من تراجع المبيعات في ختام المعرض، يبدو أن اتجاه «الإقبال الشكلي» مستمر، بل يتعمق مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتآكل قدرة الأسر على تخصيص ميزانية للقراءة.

 

هكذا تتحول الدورة الجديدة، رغم ضجيج الأرقام، إلى مؤشر مقلق: جمهور كبير، نعم، لكنه أقل قدرة على الشراء، وأكثر انجذابًا للفعاليات الترفيهية السريعة من التفرغ لاقتناء الكتب والقراءة الجادة.

 

أسعار أجنحة وكتب تدهس الناشرين والقراء

 

على الطرف الآخر من المعادلة، يقف الناشرون في مواجهة مباشرة مع سياسة تسعير تعتبرها بعض الأصوات «معادية لصناعة الكتاب». رئيس اتحاد الناشرين المصريين فريد زهران كشف أن أسعار أجنحة المعرض ارتفعت هذا العام بنسب تراوحت – حسب الفئة والمساحة – بين 65% و250% مقارنة بالعام الماضي، وهي قفزة كفيلة بإخراج دور نشر صغيرة ومتوسطة بالكامل من المشهد، أو دفعها إلى تقليص مشاركتها إلى أدنى حد.

 

هذه الزيادات لا تأتي في فراغ؛ فهي تُترجم مباشرة إلى أسعار أعلى للكتب على القارئ، أو إلى خسائر يتحملها الناشر الذي لا يجرؤ على رفع السعر إلى الحد الذي يدفع القارئ للعزوف الكامل. وبين مطرقة الإيجار وسندان الركود، يجد كثير من الناشرين أنفسهم عالقين في «معرض» لا يوفّر لهم الحد الأدنى من العدالة التجارية، لكنه في الوقت نفسه المساحة الوحيدة تقريبًا للوصول إلى جمهور واسع.

 

ناشرون آخرون – يفضّلون الحديث دون ذكر أسمائهم خوفًا من حرمانهم من الأجنحة في الدورات المقبلة – يشيرون إلى أن الكتاب أصبح منتجًا «ترفيا» في عيون الدولة: يتم التلويح به في الخطاب الرسمي كدليل على رعاية الثقافة، بينما تُدار تفاصيله المالية بنفس منطق الجباية الذي يحكم السلع الاستهلاكية الأخرى.

 

في هذا السياق، لا تبدو تصريحات المسؤولين عن «استقرار السوق» و«أسرع سوق دوائي وغذائي في الشرق الأوسط» إلا مفارقةٍ سوداء: فكيف يمكن لسوق كتاب أن ينهض بينما يتم خنق حلقته الأضعف، أي القرّاء الذين تلتهم رواتبهم أسعار الطعام والدواء، والناشرين الذين يُطلب منهم دفع ما يشبه الجزية ليحظوا بمترين في صالة المعرض؟

 

معرض بضوء كثيف على المنصة.. وظل كثيف على حرية الكلمة

 

إلى جانب الأزمة الاقتصادية، تبرز أزمة أخرى لا تقل خطورة: حرية التعبير داخل المعرض نفسه. فبحسب تقارير حقوقية وثقافية، استُبعدت كتب وشعراء بالكامل من دورة هذا العام، في استمرار لمسار رقابي يجد في «الموسم الثقافي الأكبر» فرصة لتمديد المنع بدل توسيع هامش الحرية.

 

الشاعر صادق شرشر وجد نفسه خارج المعرض، بعد أن رفضت لجنة المراقبة إدراج ديوانه الجديد ضمن العناوين المسموح بعرضها. لم توجَّه له اتهامات قانونية واضحة، ولم يُبلغ بأسباب مكتوبة للمنع؛ فقط إشارة ضمنية إلى أن نصوصه «حساسة». هذا النوع من الإقصاء الصامت يحوّل المعرض، في نظر كثيرين، من فضاء للاختلاف إلى منصة للنسخ المتطابقة من الخطاب المريح للسلطة.

 

أما الشاعر السعدني السلاموني، فاستُبعدت بعض كتبه بدعوى «مخالفات إجرائية» تتعلق بالترخيص، وهي ذريعة اعتادها الوسط الثقافي لتغطية أسباب رقابية أعمق تتعلق بالمحتوى. وفي الوقت ذاته، يرى الشاعر مصطفى الجارحي أن ما يحدث في المعرض ليس مجرد تضييق على عناوين بعينها، بل محاولة لبناء «سوق ثقافي مروض»، لا يسمح إلا بما ينسجم مع الرواية الرسمية، بينما يُدفع المبدعون المختلفون إلى هامش بعيد.

 

في ظل هذه الشهادات، يصبح الحديث عن «ضيوف الشرف» و«شخصية العام» و«عاصمة الثقافة» مجرد ديكور ثقافي يخفي واقعًا أكثر قتامة: معرض يُدار أمنيًا واقتصاديًا قبل أن يُدار ثقافيًا، وأروقة تزدحم باللافتات الرسمية بينما تُقصى منها أصوات شعراء وكتّاب لأنهم لا ينسجمون مع النغمة المطلوبة.

 

في المحصلة، لا يحتاج معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى مزيد من الشعارات أو الأرقام القياسية بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف وظيفته: هل هو مول ضخم للفرجة والتقاط الصور؟ أم مساحة حقيقية للقراءة الحرة، والنقاش العام، وتداول الأفكار بلا خوف؟

 

حتى الآن، تبدو الإجابة في دورة 2026 أقرب إلى الخيار الأول: زحام بلا قراءة كافية، وأجنحة غالية بلا عدالة، ومنصة مضاءة لا يجد إليها كثير من الكتّاب والناشرين طريقًا. وبينما تحتفل الحكومة بـ«نجاح التنظيم»، يخرج الناشرون والكتّاب من البوابة ذاتها وهم أكثر قناعة بأن أزمة الكتاب في مصر ليست أزمة موسم واحد، بل أزمة نظام كامل في إدارة الثقافة والمجتمع.