رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما تزال آلة الحرب الإسرائيلية تحصد الأرواح وتخلف الدمار، وسط خروقات ميدانية متواصلة تشمل القصف الجوي والمدفعي، وإطلاق النار المباشر، ونسف المنازل، إلى جانب قيود خانقة على إدخال المساعدات الإنسانية، في مشهد يعكس هشاشة الاتفاق وعجز المجتمع الدولي عن فرض احترامه.
شهداء وإصابات في مناطق متفرقة
شهد قطاع غزة خلال الساعات الماضية تصعيدًا ميدانيًا جديدًا أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، حيث أفاد مراسلون بوصول الشهيد منار سعيد المدهون (41 عامًا) إلى مستشفى ناصر الطبي، متأثرًا بإصابته برصاص قوات الاحتلال في منطقة الإقليمي جنوب مدينة خان يونس.
وفي مدينة غزة، استشهد المواطن محمود قاسم بعد أن أطلقت آليات الاحتلال النار تجاه الأحياء الشرقية للمدينة. وأكد مصدر في المستشفى المعمداني أن الشهيد وصل برفقة عدد من المصابين الذين أُصيبوا بنيران الاحتلال في حي التفاح شمال شرقي المدينة.
قصف منشآت مدنية ومبانٍ تضم نازحين
وفي استمرار لاستهداف البنية التحتية، قصفت طائرات الاحتلال محطة إرسال في برج شوا وحصري وسط مدينة غزة. وأوضح مصدر محلي أن طائرة إسرائيلية مسيّرة انفجرت في الطوابق العليا من البرج، الذي كان قد تعرض لتدمير كبير خلال حرب الإبادة، أعقب ذلك قصف مدفعي مباشر، ما أدى إلى إصابة أربعة مواطنين بجراح طفيفة.
ويضم البرج المستهدف مكاتب إعلامية، كما تؤوي بقاياه عددًا من النازحين الذين اضطروا للبقاء فيه لعدم توفر بدائل سكنية، ما يسلط الضوء على تعمد استهداف أماكن مدنية في ظل أوضاع إنسانية شديدة القسوة.
كما أصيب عدد من المواطنين بجروح متفاوتة إثر قصف طيران الاحتلال مبنى في حي الرمال غرب مدينة غزة، في وقت تواصل فيه الطائرات الحربية والمسيّرة التحليق المكثف فوق مناطق واسعة من القطاع.
نسف منازل وقصف مدفعي متواصل
ميدانيًا، نفذ جيش الاحتلال عملية نسف ضخمة جنوب شرق مدينة خان يونس، بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف طال المنطقة ذاتها. كما أطلقت دبابات الاحتلال نيرانها بكثافة جنوب شرق مدينة دير البلح وسط القطاع، في خرق واضح لبنود وقف إطلاق النار.
وفي المحافظة الوسطى، تمكنت طواقم الدفاع المدني من إخماد حريق اندلع في مكب نفايات وتجمع لسيارات مدمرة جراء القصف الإسرائيلي، داخل مخيم البريج، ما يعكس حجم الدمار الذي طال المرافق العامة والبيئة المحيطة بالسكان.
حصيلة دامية رغم الاتفاق
ولم تتوقف الخسائر البشرية عند هذا الحد، إذ استشهد يوم أمس السبت ثلاثة مواطنين، بينهم طفلان، وأصيب آخرون في استهدافات متفرقة. وأكدت مصادر طبية استشهاد الطفلين محمد يوسف الزوارعة وسليمان زكريا الزوارعة جراء انفجار قنبلة أطلقتها قوات الاحتلال قرب مستشفى كمال عدوان في مشروع بيت لاهيا شمال القطاع.
كما استشهد الشاب نور فريد أبو سته (26 عامًا) إثر استهداف منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس، بحسب مصادر طبية في مجمع ناصر الطبي.
أرقام تكشف حجم المأساة
ووفق وزارة الصحة في غزة، وصل إلى مستشفيات القطاع خلال الـ24 ساعة الماضية 3 شهداء و8 مصابين، جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل. وبلغ عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025 نحو 484 شهيدًا، إضافة إلى 1,321 مصابًا، و713 شهيدًا تم انتشال جثامينهم من تحت الأنقاض.
أما الحصيلة التراكمية منذ بدء حرب الإبادة في 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفعت إلى 71,657 شهيدًا و171,399 مصابًا، مع بقاء عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.
كارثة إنسانية تتفاقم
إنسانيًا، يعيش سكان القطاع أوضاعًا كارثية، لا سيما مع موجات البرد والأمطار، وإقامتهم في خيام مهترئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. وارتفعت حصيلة ضحايا البرد منذ بداية فصل الشتاء إلى 10 شهداء، بعد وفاة رضيع يبلغ من العمر ثلاثة أشهر نتيجة البرد الشديد.
قيود على المساعدات.. وحصار مستمر
ورغم مرور 105 أيام على بدء وقف إطلاق النار، تكشف المعطيات الميدانية أن الاحتلال لا يزال يفرض قيودًا مشددة على إدخال المساعدات. وبحسب تقارير موثقة، لم يدخل إلى القطاع سوى 43.7% من عدد الشاحنات المتفق عليها، بمتوسط يومي لا يتجاوز 262 شاحنة، مقارنة بـ600 شاحنة ينص عليها الاتفاق.
أما الوقود، فلم تتجاوز كمياته المدخلة 13.9% من المتفق عليه، ما تسبب بشلل شبه كامل في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي.
وفي هذا السياق، أكد مدير عام وزارة الصحة الدكتور منير البرش أن الاحتلال يتبع سياسة “القتل البطيء”، عبر إدخال بضائع غير ضرورية ومنع الدواء والغذاء الحقيقي، في وقت تنتشر فيه أمراض حادة ومتحورات غير مسبوقة، وتتفاقم حالات سوء التغذية والأنيميا والولادات المبكرة.
خروقات يومية تُفرغ الاتفاق من مضمونه
التقارير الميدانية وثّقت 1,349 خرقًا منذ بدء الاتفاق، بمعدل 13 خرقًا يوميًا، أسفرت عن استشهاد نحو 496 فلسطينيًا وإصابة أكثر من 1,300، معظمهم من المدنيين داخل المناطق المشمولة بوقف إطلاق النار.
تطورات سياسية وضغوط دولية
سياسيًا، وصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسرائيل لإجراء محادثات مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، تتناول ملفات غزة، واستحقاقات المرحلة الثانية، وإعادة فتح معبر رفح.
وفي تطور لافت، رحبت حركة حماس بالمرسوم الملكي البلجيكي الذي يقضي بحظر عبور الطائرات التي تنقل معدات عسكرية إلى إسرائيل، معتبرة الخطوة التزامًا بالقانون الدولي وداعية دول العالم إلى فرض حظر شامل على تزويد الاحتلال بالسلاح.

