رغم مرور 107 أيام على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل خروقاتها الميدانية بوتيرة يومية، في مشهد يعكس هشاشة الاتفاق وغياب أي آليات فاعلة لفرض الالتزام به أو حماية المدنيين. فالقصف، وإطلاق النار، ونسف المنازل، واستهداف الأطفال، وانتهاك المقابر، جميعها تحوّلت إلى وقائع شبه يومية، تُفرغ الاتفاق من مضمونه وتحيله إلى غطاء شكلي لاستمرار العدوان بأدوات مختلفة.
شهداء وجرحى برصاص مباشر
صباح اليوم، استشهد المواطن مجدي نوفل برصاص قوات الاحتلال قرب بلوك 12 شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل القتل المباشر للمدنيين.
وفي وقت سابق، استشهد محمد خالد عبد المنعم متأثرًا بإصابته برصاصة في الرأس أطلقتها قوات الاحتلال في منطقة الزرقا بحي التفاح شمال شرقي مدينة غزة.
وفي الجنوب، أصيبت الطفلة بدرية عصام صقر برصاص قوات الاحتلال في محيط الحي النمساوي غرب خانيونس، في واقعة تعكس استمرار استهداف الفئات الأكثر ضعفًا، وعلى رأسها الأطفال، رغم الإعلان المتكرر عن سريان وقف الحرب.
تصعيد ناري وجوي في مختلف المناطق
ميدانيًا، أطلقت آليات الاحتلال النار شرق مدينة غزة، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف حي التفاح والمناطق الشرقية للمدينة، ما ألحق أضرارًا بالمنازل والبنية التحتية وأثار حالة من الهلع بين السكان.
وفي أقصى جنوب القطاع، قصفت مدفعية الاحتلال المناطق الشمالية لمدينة رفح، بالتوازي مع إطلاق نار مكثف من الآليات الإسرائيلية جنوبي خانيونس، فيما أطلقت الطائرات المروحية نيرانها شرق المدينة، في تصعيد جوي متكرر خلال الساعات الأخيرة.
كما شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية ثلاث غارات جوية فجر الاثنين على مناطق شرقي مدينة دير البلح وسط القطاع، في خرق واضح لبنود وقف إطلاق النار، تزامنًا مع عمليات نسف طالت عددًا من منازل المواطنين شرق غزة.
أرقام الخروقات: اتفاق يُفرغ من مضمونه
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قوات الاحتلال قتلت منذ بدء وقف إطلاق النار 501 شهيداً فلسطينيًا، وأصابت 1321 آخرين، جميعهم داخل مناطق يُفترض أنها مشمولة بالاتفاق. كما وثّقت تقارير حقوقية 1349 خرقًا منذ بدء الهدنة، بمعدل 13 خرقًا يوميًا، شملت القتل، والإصابات، والقصف، ونسف المنازل، وإطلاق النار، والتوغلات العسكرية.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الانتهاكات، بل تكشف أيضًا غياب أي ردع دولي حقيقي، واستمرار سياسة الإفلات من العقاب، على حساب أرواح المدنيين.
مساعدات تحت الحصار: تلاعب بالأرقام وتجويع ممنهج
بالتوازي مع الخروقات العسكرية، يفرض الاحتلال قيودًا خانقة على إدخال المساعدات الإنسانية، في سياسة يبدو أنها جزء لا يتجزأ من إدارة الصراع بعد الهدنة. إذ يرصد تقرير ميداني تلاعبًا ممنهجًا في بيانات الاحتلال المتعلقة بعدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع.
فيما يدّعي الاحتلال إدخال نحو 582 شاحنة يوميًا، تؤكد عمليات الحصر الميداني أن الأرقام الفعلية أقل من النصف، ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويُبقي القطاع على حافة الانهيار.
ويؤكد التقرير الحاجة الملحّة إلى وجود جهة دولية محايدة، أو فرق ميدانية من الوسطاء، للتحقق المباشر من آلية إدخال المساعدات وضمان شفافيتها، في ظل غياب أي تحسّن ملموس في الأوضاع الإنسانية.
المقابر تحت الجرافات: انتهاك صارخ لحرمة الموتى
في تصعيد خطير وغير مسبوق، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من استمرار جيش الاحتلال في نبش مقابر شرقي مدينة غزة، بذريعة البحث عن جثة جندي إسرائيلي. ووثّق المرصد نبش نحو 200 قبر في إحدى مقابر حي الشجاعية قرب “الخط الأصفر”، دون وجود أي إشراف فلسطيني أو دولي محايد، كالصليب الأحمر.
وأكد المرصد أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا جسيمًا لحرمة الموتى وكرامتهم، وتُلحق أذى نفسيًا بالغًا بعائلاتهم، عبر إبقائهم في حالة شك دائم حول مصير رفات ذويهم.
العثور على جثة الجندي ران غفيلي
في السياق ذاته، أعلن جيش الاحتلال العثور على جثة الجندي الأسير ران غفيلي شمالي قطاع غزة، بعد عمليات بحث موسعة شملت نبش عشرات القبور، بمشاركة وحدات عسكرية خاصة وفرق من الطب الشرعي.
وبحسب جيش الاحتلال، قُتل غفيلي في 7 أكتوبر واحتُجزت جثته في غزة، قبل الإعلان عن العثور عليها اليوم. ويأتي ذلك بعد تأكيد كتائب القسام أنها زوّدت الوسطاء بمعلومات دقيقة حول موقع الجثة، في إطار التزاماتها المتعلقة بملف الأسرى.
مقابر مدمَّرة ورفات مسروقة
يذكّر المرصد الأورومتوسطي بأن جيش الاحتلال دمّر خلال العامين الماضيين 21 مقبرة من أصل نحو 60 في قطاع غزة، ونبش مئات القبور في مناطق عدة، بينها الشجاعية وبيت حانون وبيت لاهيا والتفاح، حيث سُرق نحو 150 جثمانًا ونُقلت إلى جهات مجهولة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

